يتقدّم شبح الحرب الإسرائيلية من جديد إلى واجهة المشهد اللبناني، لكن السّؤال الأخطر لم يعد محصوراً بالبعد العسكري أو الأمني، بل بات اقتصادياً بامتياز: كم ستبلغ فاتورة حرب جديدة على بلدٍ يرزح أصلاً تحت واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في تاريخه؟
كم كلفت آخر مواجهة؟
يشكّل النزاع الذي شهدته الحدود الجنوبية خلال عامي 2023 و2024 المرجعية الأقرب زمنياً لتقدير الكلفة المحتملة لأي حرب جديدة. فبحسب أحدث تقارير البنك الدولي، بلغت الكلفة الاقتصادية الإجمالية للحرب نحو 14 مليار دولار، شملت الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية معاً.
هذه الكلفة توزّعت بين6.8 مليارات دولار للأضرار المباشرة التي أصابت المنازل والبنى التحتية والمرافق، و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية غير مباشرة ناتجة عن تعطّل الإنتاج، وتراجع الإيرادات، وشلل قطاعات حيوية.
التقرير نفسه قدّر حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، مع تسجيل قطاع السكن كالأكثر تضرّراً بكلفة قاربت 4.6 مليارات دولار، ما يعكس حجم الضربة الاجتماعية إلى جانب الضربة الاقتصادية.
كيف ستتغيّر الأرقام؟
أي تقدير لكلفة حرب جديدة يبقى مرتبطاً بشكلها ومدّتها ونطاقها الجغرافي. ولكن انطلاقاً من خطّ الأساس الذي حدّده البنك الدولي، يُمكن رسم مشهد واقعي للسيناريوهات المحتملة.
في حال اندلعت حرب محدودة تشبه من حيث الوتيرة والنطاق ما شهده لبنان أخيراً، يُرجِّح الاقتصاديّون أن تتراوح الخسائر والأضرار الجديدة بين 8.5 و14 مليار دولار، مع عودة الحاجة إلى برامج تعافٍ وإعادة إعمار. في هذا السيناريو، تكون الضربة قاسية، ولكنّها تبقى ضمن الإطار الذي عرفه الاقتصاد اللبناني في المرحلة الماضية.
أما إذا توسّع نطاق الحرب في الزمان والجغرافيا، وطال القصف مناطق أكثر كثافة سكانية أو بنى أساسية، فإن الكلفة ترتفع سريعاً. في هذه الحالة، تشير التقديرات المبنية على مضاعفة عناصر الخسارة السابقة إلى أن الفاتورة قد تتراوح بين 20 و30 مليار دولار. هنا لا تعود الحرب أزمة مناطق أو قطاعات، بل تتحوّل إلى أزمة اقتصادية وطنية شاملة.
سيناريو الحرب الشّاملة
في سيناريو الحرب الشاملة، حيث تُصاب أعمدة الاقتصاد الأساسية كالكهرباء، الاتصالات، النقل، والمرافق المركزية، ويتعطّل النشاط الاقتصادي لفترة طويلة، تصبح الأرقام أكثر خطورة. إذ قد تقفز الكلفة الإجمالية إلى ما بين 30 و40 مليار دولار أو أكثر، وهو مستوى يتجاوز عملياً قدرة الدولة اللبنانية والقطاع الخاص على التمويل، ويفتح الباب أمام سنوات إضافية من الانكماش والشلل.
في الواقع، ما يجعل أي حرب مقبلة أكثر كلفة من سابقاتها ليس فقط شدّة الضربات، بل هشاشة الوضع الاقتصادي القائم، فلبنان يدخل أي مواجهة جديدة من موقع ضعف غير مسبوق. والمشكلة الكبرى هي أنّ فاتورة إعادة الإعمار لا تتعلّق فقط بحجم الدمار، بل أيضاً بمصادر التمويل التي قد تكون “جافّة” كلياً هذه المرّة.
تُظهر الأرقام بوضوح أنّ أيّ حرب إسرائيلية جديدة على لبنان لن تكون مجرّد مواجهة عسكرية عابرة، بل زلزالاً اقتصادياً طويل الأمدّ. والفارق هذه المرّة أن لبنان لم يعد يملك رفاهية البدء من الصفر، لأنه سيبدأ من ما دون الصفر… حيث سنكون جميعاً!
المصدر: موقع mtv






