روي أبو زيد
على تلّة هادئة في جعيتا الكسروانية، وبين انحناءات الجبل وخضرة الوادي، يقف دير مار الياس الراس لا كحجرٍ صامت، بل كحضور روحيّ نابض. هو ليس مجرد معلم ديني، بل مساحة لقاء بين الإنسان وذاته، وبين الأرض والسماء، حيث تتراجع ضوضاء الحياة اليومية، ويعلو صوت الصمت العميق.
يحمل الدير في جذوره تاريخاً يعود إلى القرون الماضية، حين اختار الرهبان هذا الموقع العالي ليكون موضع اعتكاف وتأمل، مستلهمين روح النبي إيليا، رجل النار والإيمان، الذي عرف معنى العزلة والوقوف بثبات في حضرة الله. من هنا، اكتسب الدير هويته الروحية الخاصة: مكان للصلاة والتأمّل وللبحث عن النور في عمق العتمة الإنسانية.
وتشير رئيسة الدير الأم لور بو رزق إلى أنّ الدير تأسّس سنة 1736 بقرار كنسي، مضيفةً أنّ الكنيسة أوكلت في ذلك الوقت إلى الرهبانية اللبنانية المارونية مهمة الاهتمام بالراهبات. وتوضح أنّ قانون الرهبانية اللبنانية كان هو نفسه القانون المعتمد للراهبات، مع تخصيص باب خاص بهن ضمن هذا النظام.
وتضيف في حديث لـ”النهار” أنّ حياة الراهبات تقوم على توازن واضح بين الصلاة والعمل، إذ تُقسَّم ساعات النهار بين العبادة والمهام اليومية، لافتةً إلى أنّ أعمال الدير ترتكز أساساً على الاهتمام بالزراعة. وتشير الأم بو رزق إلى أنّ المنتجات التي يقدّمها الدير هي منتجات طبيعية يحتاج إليها الناس يومياً. وتشدّد على أنّ الراهبات يعملن على تأمين هذه المنتجات بأيديهن، بهدف تشجيع الناس على العودة إلى غذاء نظيف وطبيعي، نابع من أرض لبنان ومن ثمرة العمل فيها.
وفي ما يتعلّق بموقع الدير، تلفت الأم بو رزق إلى أنّه يتميّز بمكانته المناسبة جداً للسياحة الدينية، مشيرةً إلى أن دير مار الياس يُعد من أقدم المزارات، ما يمنحه أهمية خاصة. كما تؤكّد أنّ النبي إيليا لا يرد ذكره في الكتاب المقدس فقط، بل هو مذكور أيضاً في القرآن الكريم، الأمر الذي يجعل الزوار والحجاج، حتى من خارج لبنان، يقصدون الدير باستمرار.
يكتسب دير مار الياس الراس أهميته من قدرته على الجمع بين التراث الروحي العميق والحضور الحيّ في الوجدان الجماعي. فهو لا يعيش في الذاكرة فقط، بل في الحاضر أيضاً، كمساحة مقاومة للضجيج، وملاذ للروح في زمن الصعاب والعقبات.
وأصبح الدير على مرّ السنين شاهداً على أجيال تعاقبت، حملت إليه أوجاعها وآمالها، وترك فيها بصماته الروحية. في كنيسة الدير القديمة تعلو الصلوات وترتفع مع قلوب المؤمنين. كلّ زاوية فيها تحفظ آثار ركعة أو دمعة، أو تأمّل صامت. إذ يقدّم الدير نفسه كمساحة هادئة تتيح للزائر أن يصغي، يتأمل، ويعيد ترتيب أعماقه ومكنوناته.
وتلفت الأم بو رزق في هذا السياق، إلى أنّ باب الدير بقي مفتوحاً منذ يوم تأسيسه وحتى اليوم، مؤكدةً أنّ كل من يقصده، سواء للصلاة أو للزيارة أو لأنه متعب أو محتاج إلى أي مساعدة، يجد من يصغي إليه ومن يرافقه بالكلمة والصلاة. كما تشدّد على أنّ راهبات الدير يكرّسن حياتهن لخدمة الناس، معتبرةً أن الإصغاء والمرافقة الروحية جزء أساسي من رسالة الدير.
اليوم، يواصل الدير دوره كمنارة روحية مفتوحة للجميع. يزوره المؤمنون طلباً للسكينة، ووفاءً لنذور، أو بحثاً عن لحظة سلام في زمن مثقل بالقلق. في محيطه الطبيعي الآسر، حيث يلتقي الجبل بالسماء، تتحول الطبيعة إلى امتداد للصلاة، ويغدو المشهد العام جزءاً من التجربة الروحية. هنا، لا يُقاس الإيمان بالكلام، بل بالشعور الذي يرافق الزائر عند المغادرة.
وتؤكد الأم بو رزق في نهاية حديثها أنّ استمرار رسالة الدير يتطلّب دعوات رهبانيّة جديدة، راجيةً أن يرسل الله فعلةً إلى كرمه.





