مرّت سنة على تكليف الدكتور نواف سلام. سنة ثقيلة بالاختبارات في بلد اعتاد إدارة أزماته بمنطق التسويات السريعة لا بمنهج مفهوم الدولة. في هذا السياق، بدا خيار الصلابة السياسية خروجًا عن المألوف. صلابة لا تُختزل في خطاب مرتفع النبرة، بل في محاولة إعادة تعريف الحكم باعتباره مسؤولية، لا موازين لحظية ولا صفقات ظرفية.
من منظار رجل الدولة، تُقاس الصلابة بقدرتها على حماية المصلحة العامة من الاستنزاف. هذا ما حاول سلام تثبيته: احترام الدستور، إعادة الاعتبار لمفهوم المؤسسات، والتمسك بمعايير الشفافية في زمن شُوِّهت فيه المعايير. في بلد تُدار فيه القرارات الكبرى خارج الأطر الرسمية، كان الرهان على استعادة الإطار بحد ذاته موقفًا سياسيًا.
قوة هذا النهج ظهرت في ثلاث نقاط أساسية: أولًا، وضوح المرجعية. عندما تُحدَّد القواعد، يقلّ هامش الالتباس. الإصرار على أن الإصلاح يبدأ من القانون لا من التسويات أعاد النقاش إلى مكانه الطبيعي، ولو واجه مقاومة. ثانيًا، الانفتاح الخارجي المنضبط. التواصل مع المجتمع الدولي بلغة الدولة، لا بلغة الاستجداء، منح لبنان هامش صدقية كان مفقودًا. ثالثًا، السعي إلى الفصل بين الدولة ومراكز النفوذ. هذا الفصل لم يكتمل، لكنه وُضع على الطاولة بجرأة نادرة.
مع ذلك، لا تكتمل القراءة من دون التحفظ على البعض من الأداء الحكومي. الصلابة حين لا تُرفق بقدرة تنفيذية قد تتحول إلى جمود. بعض القرارات تأخرت، وبعض الملفات بقيت عالقة بين حسن النية وتعقيد الواقع. إدارة الوقت لم تكن دائمًا على مستوى حجم الانهيار. في بلد يتآكل يوميًا، البطء ليس تفصيلًا.
ثمّة ملاحظة أخرى تتعلق بتشكيلة الفريق الحكومي. اختيار أسماء نظيفة السجل لا يكفي وحده. الخبرة التنفيذية، والعقل السياسي – المسيس، والقدرة على إدارة الأزمات، والتواصل مع الداخل الاجتماعي، عناصر لا غنى عنها. بعض الوزراء بدوا أقرب إلى منطق الإدارة التقنية منه إلى فن الحكم في بيئة مفخخة سياسيًا. النتيجة كانت فجوة بين الخطاب والإنجاز.
ومع كل التحفظات، تبقى المقارنة ضرورية: ما الذي كان سيحدث لو استُبدلت الصلابة بتسوية جديدة؟ غالب الظن أننا كنا سنحصل على حكومة قصيرة العمر، قراراتها رهينة التوازنات، وإصلاحها مؤجل. خيار سلام، رغم كلفته السياسية، أعاد طرح سؤال جوهري: هل نريد إدارة الأزمة أم الخروج منها؟
من زاوية رجل الدولة، الصلابة ليست نقيض الواقعية. هي شرطها. الواقعية التي تتجاهل القانون ليست واقعية، بل استسلام مقنع. والتسوية التي تُبقي أسباب الانهيار قائمة ليست حلًا، بل تمديدًا للأزمة. في هذا المعنى، شكّلت سنة التكليف اختبارًا أخلاقيًا قبل أن تكون اختبارًا سياسيًا.
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس التخلي عن الصلابة، بل ترشيدها. صلابة تُترجم إلى أولويات واضحة، جداول زمنية، ومساءلة داخلية قبل المطالبة بمساءلة الآخرين. صلابة تُنصت بقدر ما تُقرّر. صلابة تعرف متى تُصرّ ومتى تُبدع في إيجاد مخارج لا تمس الجوهر.
بعد سنة، يمكن القول إن تجربة نواف سلام أعادت الاعتبار لفكرة الدولة في الوعي العام، ولو جزئيًا. هذا إنجاز في حد ذاته. لكن الوعي وحده لا يوقف الانهيار. ما يوقفه هو تحويل الصلابة إلى فعل يومي، وإحاطة هذا الفعل بفريق قادر، وخطاب جامع، وإدارة لا تهدر الوقت.
يبقى السؤال المفتوح: هل يستطيع لبنان أن يحتمل صلابة طويلة النفس؟ أم أن ضغط التسويات سيعود أقوى؟ الجواب لم يُحسم بعد، لكنه بدأ يُكتب منذ لحظة قرر فيها رجل الدولة – نواف سلام – أن يقول: هنا تبدأ الدولة، أو لا تبدأ!
الدكتور سيمون كشر – “نداء الوطن”






