الدليفري قاتلًا: كيف تحوّلت الثقة اليومية إلى فخّ؟

0
28

المصدر: المدن

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثّق جريمة مروّعة في منطقة جسر الباشا في بيروت، أقدم خلالها أحد الأشخاص على انتحال صفة عامل توصيل (ديليفري)، ليدخل إلى أحد المنازل ويسرق صاحبه ثم يقتله، في مشهد أعاد إلى الواجهة هواجس الأمن المتفلّت واتساع رقعة الجريمة.


تأتي هذه الحادثة في سياق أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة يرزح تحتها اللبنانيون منذ سنوات، ولم تقتصر تداعياتها على تراجع القدرة المعيشية فحسب، بل امتدّت لتطال السلوكيات الفردية وأنماط الجريمة، حيث تكاثرت في الآونة الأخيرة حالات السرقة بأساليب جديدة، تقوم على الخداع والتنكر واستغلال الثقة والحاجة.

ولا يمكن فصل تصاعد هذه الجرائم عن الانهيار الشامل في البنية الخدماتية، من انقطاع شبه دائم للكهرباء، إلى غياب الإنارة في الشوارع والأحياء السكنية، وتعطّل كاميرات المراقبة في العديد من المحال والمباني، ما حوّل مساحات واسعة إلى بيئة رخوة يسهل اختراقها، وفتح الباب أمام جرائم أكثر جرأة وعنفاً، في ظل ضعف الردع وتراجع الإحساس بالأمان.

أساليب جديدة للسرقة 

تنَوَّعت أساليب السرقة وتجدَّدت، ولم تعد تقتصر على الاقتحام المباشر أو الكسر والخلع، بل دخلت مرحلة أكثر خبثًا، تقوم على الحيلة وبناء السيناريو، وعلى استثمار عامل الثقة قبل السطو على الضحية. صار السارق ممثّلًا بارعًا: مرةً ينتحل صفة عنصر أمني، ومرةً عامل صيانة أو توصيل، ومراتٍ يستدرّ العطف عبر قصة إنسانية مفبركة، أو طلب مساعدة بسيطة يتحوّل، في لحظة غفلة، إلى مجرم كامل الأركان.

الأخطر أنّ هذه الأساليب باتت تعتمد على كسر منطق الشكّ لدى الضحية. تُستَخدم أعمار لا تُثير الريبة. مسنّون بملامح وديعة، أو أطفال ومراهقون يوحون بالبراءة، فيغيب الخوف ويتراجع الحذر، ويُفتح الباب، لا بدافع الثقة وحدها، بل بدافع الإنسانية نفسها. هكذا تُستدرج الضحية أحياناً، بلا صراخ ولا عنف، إلى خسارة مالها أو حياتها.

في بعض الحالات، تُنصَب الكمائن على الطرقات السريعة خلال ساعات الليل المتأخرة. فيُرشق المارّون بالحجارة من أماكن مخفية لإرباك السائق ودفعه إلى التوقّف، بدافع الخوف أو للاطمئنان على ما أصاب سيارته. عندها، يخرج المعتدون من عتمتهم، حاملين أسلحتهم، ليُستكمل مشهد السلب بالقوة.

السبب الأساسي: المخدرات

تعمل الأجهزة الأمنية على تعقّب السارقين وكشف هوياتهم وتوقيفهم، رغم التعقيدات المتزايدة التي ترافق هذا النوع من الجرائم. ويقول مصدر أمني لـ”المدن” إنّ “السارقين يجدون دائمًا أساليب جديدة ومبتكرة يفاجئون بها ضحاياهم، كما تُربك في بعض الأحيان عمل الأجهزة الأمنية نفسها”.

ويُضيف المصدر أنّ جرائم السرقة تعود إلى أسباب متعدّدة، في مقدّمها تعاطي المخدّرات. إذ إنّ نسبة كبيرة من السرقات، ولا سيما تلك التي تتمّ بالقوة أو عبر النشل، ترتبط مباشرة بالحاجة إلى المال لشراء المخدّرات أو مقايضتها. 

ويشير إلى أنّ هذا النوع من السرقات، على الرغم من خطورته، يبقى قابلًا للتعقّب نسبيًا، “لأنّها سرقات لحظية تتكرّر، وغالبًا ما يبقى الفاعل داخل الأراضي اللبنانية، ما يسهّل توقيفه بعد فترة من المراقبة والمتابعة”.

في المقابل، يلفت المصدر إلى نوع آخر أكثر تعقيدًا، يتمثّل بسرقة الخزنات والمبالغ الكبيرة، والتي تُنفَّذ في كثير من الأحيان من داخل المؤسسات نفسها، عبر عمّال يعرفون أماكن الأموال وتفاصيل العمل. ويشرح أنّ “المشكلة الأساسية هنا أنّ أصحاب المصالح يتأخّرون أحيانًا في اكتشاف السرقة، وما إن يتبيّن لهم الأمر ويُبلّغوا الأجهزة الأمنية، يكون الفاعل قد غادر البلاد، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها من العمّال الأجانب الذين يعبرون الحدود سريعًا”.

أماكن السرقات والتخفي

وبحسب المصدر، يحرص منفّذو هذا النوع من السرقات على استهداف الأحياء المنظّمة والهادئة، التي يقلّ فيها الوجود البشري والمراقبة الاجتماعية، ويتجنّبون الأحياء الشعبية حيث قد يلاحقهم السكان أو يُلقى القبض عليهم فورًا. كما تُسجَّل عمليات على الطرقات الواسعة والسريعة، حيث يسهل الفرار.

لا تقلّ خطورة عن ذلك السرقات التي تتمّ بأساليب احتيالية، كأن ينتحل الجناة صفة أمنية، ويتواصلوا مع أشخاص لإيهامهم بوجود “ضبط” أو مخالفة، مقابل دفع مبلغ مالي لتسويتها. كذلك، يعتمد البعض أسلوب رمي أجسام أمام السيارات لإجبار السائق على التوقّف، أو قرع أبواب المنازل بحجّة طلب المساعدة، قبل الاحتيال على الضحية وسرقتها. ويُحذّر المصدر من أنّ “هذه الأساليب غالبًا ما تنتهي بجرائم قتل، رغم أنّ الهدف الأساسي يكون السرقة، لكن التوتّر والمواجهة المفاجئة يحوّلان الالسرقة إلى مأساة”.

تزداد هذه السرقات حدّة وتتنوع أساليبها بالتزامن مع الانهيار الاقتصادي والتراخي الأمني. وفي هذا السياق، تلفت المصادر الأمنية إلى أنّ “إنعكاس الأزمة الاقتصادية على أداء الأجهزة الأمنية ليس سرًّا”. فقد تراجعت قيمة رواتب العناصر والضبّاط بشكل كبير، ما أدّى إلى انخفاض محفّزات العمل، واضطرار كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية. ومع ذلك، تؤكّد المصادر أنّ “الأجهزة الأمنية ما زالت تعمل بأقصى طاقاتها، وتبسط سيطرتها على الوضع الأمني العام، وتؤدّي واجباتها رغم كل الصعوبات”. وتختم بالقول “نحن نقوم بما علينا، لكن من دون شك، كلّما توفّر الدعم، استطعنا أن ننجز أكثر ونحمي الناس بشكل أفضل”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا