لم يكن عادياً أن تَرتسم في لبنان خلال الساعات الماضية لوحة شديدة القتامة تَكاتَفَ فيها الإمعانُ الاسرائيلي بالاعتداءاتِ المتعدّدةِ «النسخ»، والتي يُخشى أن تكون رياحاً سبّاقةً لتصعيدٍ «مهما تَأَخَّرَ فهو آتٍ» سواء هبّ إعصار النار على المنطقة أم نَجَحَتْ الدبلوماسيةُ في منْعه، مع الإهمالِ المُزْمِنُ والانهيارِ المضمَر للنظام التشغيلي لدولةٍ تُعانِد منذ أعوام جاذبيةَ السقوط الكامل وبالكاد بدأت تتلمّس طريقَها لامتلاك سيادتها على كامل أراضيها واستعادة مقوّماتها ووظيفتها في الحماية والرعاية الخدماتية والاجتماعية والإنمائية.
وهكذا ولليوم الثاني على التوالي بقيَ الجنوبُ والشمال قطبيْ المَشهد اللبناني، وسط مفارقاتٍ إضافية بدا معها الاهتراءُ الموروث لهياكل الدولة ووظائفها التشغيلية وكأنه يَستعيرُ من التداعياتِ الكارثيةِ لحربٍ اسرائيلية تَستمرّ على شكل يومياتِ اغتيالاتٍ وغاراتٍ وحتى من بعض أدواتها الإعلامية، بحيث ظَهَرَ لبنان بين فَكّيْ عدوّ معلَن يُقاتِل ويَقتل بلا أقنعةٍ وآخَر مَعلومٍ ولكنه يُدمغ بـ «مجهول باقي الهوية» ويَفتك مع كواتم صوت في «جرائم» صامتة يَخرق السكوتُ الفاضح عنها أحياناً السقوط المدوّي لمبنى بمن فيه.
وفي الوقت الذي يَبْذل لبنان كل الجهود لاستعادة ثقة الخارج به على قاعدة خريطة طريقٍ سيادية وإصلاحية العنوان – المفتاح فيها سحْب سلاح «حزب الله» واستكمال هذا المسار شمال نهر الليطاني، وأيضاً لضمانِ إيجاد منطقة آمنة تُبْقي البلاد بمنأى عن العاصفة المحتمَلة في الإقليم، طفت على سَطْحِ الأولوياتِ ملفات ذات طبيعة معيشية واجتماعية بارتداداتٍ أمنية وموصولةٍ بعقودٍ من تَحَلُّل المؤسسات وخفوت دورِها تحت وطأةِ تقصير وقصور نظر ورؤية وأزماتٍ داخليةٍ متشابكةٍ «زَحَلَ» بفعل بعضها التحكم والسيطرة على مَفاصل القرار خارج الدولة والشرعية.
وكان طفلان في الثالثة من العمر حَلَقة الوصل المفجعة بين الاستباحة الاسرائيلية المتمادية جنوباً و«الدم المباح» شمالاً وتحديداً في عاصمة الشمال طرابلس، وسط تكثيفِ تل ابيب اعتداءاتها التي شملتْ معاً الاغتيالات بالغارات والقنص والخطف من العمق، وتَكَشُّف كارثة سقوط المبنى في «الفيحاء» عن 15 ضحية و8 جَرحى، في مشهديةٍ مزدوجة فاقمت التحديات أمام الدولةِ التي بالكاد تسنّى لها رصد الأبعاد المحتملة للقاء الذي يجمع الأربعاء الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي قد يتوقف عليه مصير المنطقة برمّتها، وبما في ذلك لبنان.
ففي يانوح، قضاء صور، سَقَطَ طفل لم يتجاوز الثالثة مع والده (نعتهما حركة أمل) بينما كانا يمرّان قرب سيارة استهدفتْها اسرائيل واغتالت فيها أحمد سلامة الذي أعلنت أنه مسؤول مدفعية في حزب الله في المنطقة، وذلك بعد ساعات قليلة من انتشال ابن الثالثة من تحت أنقاضِ «مبنى الموت» في شارع سورية بطرابلس التي عمّها الحزن والغضب والذعر على وقع إنذاراتٍ بالأخلاء لأبنية (متصدعة) قبل سقوطها، وقد تلقّاها اللبنانيون للوهلة الأولى على هواتفهم النقالة وكأنّها على طريقة (الناطق باسم الجيش الاسرائيلي) افيخاي أدرعي وإنذاراته الشهيرة لأبنيةٍ قبل… إسقاطها.
وفيما شكّل انهيار ثاني مبنى في طرابلس في نحو أسبوعين جَرَسَ إنذار للسلطات المعنية التي تحوّلت أشبه بـ «خلية طوارىء» ترأس اجتماعاتٍ لها رئيسُ الحكومة نواف سلام لاختصار الآليات ووقف الموت المروع الذي يقيم في أكثر من ألف بناء مهدَّد ومتصدّع في عاصمة الشمال عبر طريق سريع لتأمين بدائل وبدلات إيواء، لم يكن عابراً أن تطل من تحت الركام في مدينة «العلم والعلماء» ملامح إسقاطٍ سياسي على هذه المأساة:
– تارة بدعوات من نواب وفاعليات لاستقالة الحكومة في «توظيفٍ لهذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية»، كما قال سلام.
– وتارة أخرى بمطالباتٍ من خصوم «حزب الله» بعدم حصر الأموال المخصصة للهيئة العليا للإغاثة أو تخصيص القسم الأكبر منها، للمناطق المتضررة جراء الحرب الاسرائيلية، لتشمل كل الأبنية الآيلة للانهيار في كل لبنان ومهما كان السبب والتعاطي مع سكانها وكأنهم نازحون.
وفي حين احتوت الحكومة صدمةَ الفاجعة في طرابلس، وسط احتضان سياسي وشعبي وديني عارم وعابر للمناطق والطوائف للمدينة الثكلى، وصولاً لتفقُّد السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا مكان المأساة معلناً النية لعقد مؤتمر سريع يعالج معضلة المباني المتصدعة في عاصمة الشمال، تركت هذه الكارثة ظلالاً على احتفال عيد مار مارون والقداس الذي أقيم للمناسبة في بيروت بحضور رئيس الجمهورية العماد جوزف عون (والرئيسين نبيه بري وسلام وكبار المسؤولين) الذي أعطى توجيهات بإلغاء مراسم التشريفات والموسيقى المقرَّرة بما فيها مظاهر التكريم «تضامناً مع معاناة أبناء طرابلس وتعاطفاً مع أبناء الجنوب لاسيما المهجّرين من قراهم».
توغّل اسرائيلي
وفيما كان الشمال حزيناً، استمرّ الجنوب في صدارةِ الحَدَث الأمني وذلك بعد «استراحةٍ» ليومين خلال زيارة سلام لجنوب الليطاني، حيث قامت اسرائيل وإلى جانب جريمة يانوح، باغتيال شخص قَنْصاً في عيتا الشعب الحدودية معلنة أن المستهدف عنصر من حزب الله «تورط بأعمال لجمع الاستخبارات عن قوات جيش الدفاع وعمل لاعادة اعمار بنى تحتية تابعة للحزب بجنوب لبنان».
على أن التطور الأخطر تجلى في توغّل قوة عسكرية اسرائيلية من نحو 20 عنصراً سيراً على الأقدام إلى بلدة الهبارية في منطقة العرقوب، على عمق أكثر من 5 كيلومترات من الحدود، وإقدامها على خطف المسؤول في الجماعة الإسلامية في حاصبيا ومرجعيون عطوي عطوي من منزله، وهو ما اعتبره رئيس الحكومة «اعتداءً فاضحاً على سيادة لبنان، وخرقاً لإعلان وقف الأعمال العدائية وانتهاكاً للقانون الدولي» معلناً أنه كلّف وزير الخارجية يوسف رجي «التحرّك الفوري ومتابعة هذه القضية مع الأمم المتحدة»، مجدداً المطالبة «بتحرير جميع الأسرى اللبنانيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية في أقرب وقت».
وإذ شجبت الجماعة (المدرجة على لائحة الإرهاب الأميركية) خطف عطوي من منزله «واقتياده إلى جهة مجهولة بعد ترويع أهله والاعتداء عليهم بالضرب»، دان «حزب الله» هذه العملية وحادثتي يانوح وعيتا الشعب معتبراً «أن هذا ينذر ببدء مرحلة جديدة من التفلت والعربدة الإسرائيلية».
المصدر: الراي الكويتية






