السّؤال الّذي يدور في الأذهان اليوم هو: كيف ستواجه الحكومة الاستحقاقات البالغة الأهميّة، المدرجة على جدول أعمال مجلس الوزراء في جلسة الإثنين: خطّة حصر السّلاح في مرحلتها الثّانية كما سيعرضها قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وكيفيّة التّعاطي مع مطالب القطاع العامّ، ولا سيّما العسكريّين، في ما يتعلّق بالرّواتب والتّعويضات، بعدما أطلقت وعدًا لهؤلاء، خلال جلسة الثّقة في الموازنة، بإنهاء هذا الملفّ خلال شباط.
يتردّد أنّ القوى السّياسيّة مجتمعةً، وفي مقدّمها حزب الله، توافقت على تمرير استحقاق خطّة السّلاح من دون توتّرات. وقد مهّد للجلسة لقاءٌ حسّاسٌ في توقيته بين رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمّد رعد ومستشار رئيس الجمهوريّة أندريه رحّال، تركّز حول كيفيّة تحقيق هذه الغاية. وبات واضحًا أنّ المخرج الّذي سيقدّم في الجلسة هو الآتي: لا تتراجع الدّولة عن خطّة السّلاح ولا يتراجع الحزب عن شروطه. ويعني ذلك أنّ الخطّة المنتظرة تعلن استمرار مسار حصر السّلاح بين خطّي اللّيطاني والأوّلي، لكنّها تتجنّب حسم المواعيد والمهل. وهذا ما يريح الحزب ويمنحه هامش الأخذ والرّدّ. وهكذا، جرى تحضير الأجواء واتُّخذت الترتيبات المناسبة بين الحكومة والحزب، بحيث لا تتولّد عن الجلسة احتقاناتٌ جديدةٌ أو انفجاراتٌ.
طبعًا، لا يمكن في هذا الملفّ تجاهل أنّ هيكل عائدٌ من زيارةٍ لواشنطن دامت أسبوعًا، جرى خلالها التّركيز على ضرورة استكمال الحكومة، جدّيًّا لا صوريًّا، خطّة حصر السّلاح. وما سيقدّمه قائد الجيش في جلسة مجلس الوزراء يرتبط مباشرةً بمدى الدّعم الّذي تقدّمه الولايات المتّحدة إلى لبنان، وتاليًا الضّوء الأخضر لمؤتمر دعم الجيش المقرّر عقده في باريس في 5 آذار المقبل، والّذي سيسبقه اجتماعٌ تحضيريٌّ يرجّح عقده في القاهرة في 24 شباط. وقد جرى تقاطع بين الدّول الخمس المعنيّة بلبنان على ضرورة انعقاده.
وعلمت “المدن” أنّ السفيرين في لبنان، الأميركيّ ميشال عيسى والمصريّ علاء موسى، زارا القاهرة قبل فترةٍ للتّنسيق حول هذا الاجتماع.
وقبل أسابيع، زار وفدٌ من هيئة الأركان المصريّة لبنان، وعقد لقاءاتٍ مع الجيش للاطّلاع على احتياجات المؤسّسة العسكريّة. وعُلم أيضًا أنّ اتّصالاتٍ تجري لعقد اجتماعٍ تحضيريٍّ آخر في قطر.
في هذا الخضمّ، وبعد المواقف الّتي ظهرت خلال إحياء ذكرى استشهاد الرّئيس رفيق الحريري، طرحت أسئلةٌ حول مآل الانتخابات النيابيّة. فهل ستتمّ في موعدها كما رجّح الرّئيس السّابق للحزب التقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط، أم يرجّح تأجيلها كما أوحى الرّئيس سعد الحريري؟ والعقدة الّتي ستكون السّبب الظاهر في التّأجيل، إذا حصل، ستكون مسألة اقتراع المغتربين. لكنّ العارفين يقولون إنّ التّأجيل، إذا تمّ، لا يكون عادةً إلّا لضروراتٍ سياسيّةٍ.
وفي أيّ حالٍ، جاء رأي هيئة التّشريع والاستشارات ليزيد الغموضٍ حول مصير الانتخابات، إذ ردّت على سؤال وزير الداخليّة أحمد الحجّار بما معناه: يحقّ للمغتربين التّصويت لـ 128 نائبًا، كما في الانتخابات السّابقة. وهذا الرأي غير الملزم دستوريًّا يرفضه الرّئيس نبيه برّي وحزب الله بشكلٍ تامٍّ. فهل يؤدّي هذا الخلاف إلى تطيير الانتخابات؟
بين “لا مواعيد” السّلاح و”موعد” باريس
ليست جلسة الإثنين مجرّد استحقاقٍ إداريٍّ، بل اختبار ميزان القوى داخل الحكومة، وحدود “التّفاهم الممكن” مع حزب الله، وحدود “الضّغط الممكن” من الخارج. فخطّة حصر السّلاح، في مرحلتها الثّانية، تطرح اليوم بوصفها العنوان الّذي يطمئن الدّاخل ويرضي الخارج في آنٍ واحدٍ، لكنّها، وفق الصّيغة المتداولة، تمسك العصا من وسطها: استمرارٌ في المسار بين اللّيطاني والأوّلي، من دون رزنامةٍ حاسمةٍ تلزم أحدًا.
هذا هو جوهر “تسوية الإثنين”: الدّولة تعلن أنّها لم تتراجع، والحزب يبقي شروطه قائمةً، والنّتيجة تفاهمٌ على خفض الحرارة لا على إنهاء الخلاف. وفي السّياسة، أحيانًا يكفي “تأجيل الانفجار” ليقدّم على أنّه إنجازٌ، خصوصًا حين يكون الاستحقاق التالي مباشرةً هو مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 آذار، حيث تقاس جدّيّة بيروت لا ببلاغة العناوين، بل بصرامة التّنفيذ.
من هنا، يكتسب الاجتماع التّحضيريّ في القاهرة في 24 شباط وزنًا مضاعفًا، لأنّه عمليًّا يحدّد سقف توقّعات المانحين، ولأنّ توافق “اللّجنة الخماسيّة” على عقده هناك يوحي بأنّ ملفّ الجيش عاد إلى قلب إدارة الأزمة، لا إلى هامشها.
“وعد شباط” أمام ساعة الحقيقة
في موازاة السّلاح، يدخل ملفّ رواتب القطاع العامّ، ولا سيّما العسكريّين، كاختبارٍ داخليٍّ لا يقلّ قسوةً. فالوعد الّذي قطع خلال جلسة الثّقة بإنهاء الملفّ في شباط لم يعد ترفًا سياسيًّا، بل بات التزامًا محمّلًا بتوقّعات الشّارع العسكريّ، وبحسابات الاستقرار الإداريّ والأمنيّ. ومع أيّ تباطؤٍ إضافيٍّ، تتحوّل الرّواتب من بندٍ ماليٍّ إلى مادّةٍ سياسيّةٍ قابلةٍ للاشتعال، في وقتٍ تتجنّب فيه السّلطة أصلًا أيّ احتقانٍ جديدٍ على أبواب استحقاقاتٍ أكبر.
الانتخابات النيابيّة: خلاف المغتربين
في 14 شباط 2026، أعاد ظهور سعد الحريري خلط الأوراق في بازار الانتخابات: لم يعلن عودةً كاملةً، لكنّه أوحى بأنّ “المستقبل” قد يعود إلى الواقع الّذي كان عليه قبل قرار تعليق العمل السّياسيّ، وكأنّ الملفّ بات “على النّار” بانتظار الاستحقاق الأبرز، مع اقتراب الموعد الانتخابيّ الّذي لا تزال معالمه ضبابيّةً. هذا الإيحاء فتح سجالًا مضاعفًا: هل نحن أمام انتخاباتٍ في أيّار كما يتصرّف البعض، أم أمام تأجيلٍ يطبخ بهدوءٍ تحت عنوانٍ تقنيٍّ اسمه “اقتراع المغتربين”؟ هنا، يتقدّم الخلاف على تصويت المغتربين لـ 128 نائبًا كقنبلةٍ قابلةٍ للتفجير عند الحاجة، بين من يراه حقًّا مكتسبًا ومن يرفضه ويسقط عنه صفة الإلزام، بما يحوّله من نقاشٍ إجرائيٍّ إلى “ذريعةٍ سياسيّةٍ” جاهزةٍ. وبينما ترفع “القوّات اللبنانيّة” منسوب جهوزيّتها وتدير معركتها وكأنّ الانتخابات واقعةٌ لا محالة، جاء تفاعل الحريري ليضيف عامل إرباكٍ جديدًا: عودةٌ محتملةٌ تحرّك الشّارع السّنّيّ وتقلق حسابات خصومٍ وحلفاء معًا، من دون أن تقدّم جوابًا حاسمًا عن “موعد الاشتباك” في صناديق الاقتراع. ودلاليًّا، لم يكن عابرًا أنّ نبيه برّي كسر بدوره الجمود الانتخابيّ بإشاراتٍ علنيّةٍ إلى خوض الاستحقاق، ثم كان أوّل المتواصلين مع الحريري بعد انتهاء احتفال ساحة الشهداء، عبر اتصالٍ هاتفيٍّ جرى خلاله عرض آخر المستجدّات في البلاد، في رسالةٍ تقرأ انتخابيًّا بقدر ما تقرأ سياسيًّا: اللعبة بدأت، ولو أنّ موعدها لم يثبّت بعد.
من جهةٍ ثانيةٍ، لا شكّ في أنّ حزب “القوّات اللبنانيّة” هو المبادر الأوّل في الحركة الانتخابيّة، من حيث تبديل بعض النوّاب وفتح الباب أمام ترشيحاتٍ جديدةٍ ورفع جهوزيّة الماكينة الانتخابيّة، إذ يتصرّف عمليًّا وكأنّ الانتخابات ستجرى فعلًا في موعدها الرّسميّ المقرّر في أيّار المقبل. وفي موازاة هذه الديناميكيّة داخل البيت “القوّاتي”، حاولت جهاتٌ حزبيّةٌ وإعلاميّةٌ مناهضةٌ تصوير هذه التبديلات كأنّها خلافاتٌ داخليّةٌ يديرها سمير جعجع بمنطق “الأمر لي” وغياب الآليّات الديمقراطيّة، لكنّ مصادر “القوّات” تردّ بأنّ هذه الحملة تتكرّر عند كلّ استحقاقٍ لأنّ الخصوم عاجزون عن ضرب ثبات الموقف السّياديّ، فيلجأون إلى إثارة الغبار حول تفاصيل إجرائيّةٍ، مؤكّدةً أنّ قرارات الترشيح والتبديل تناقش ضمن الأطر التنظيميّة قبل أن تحسم، وأنّ عدم ترشّح أسماءٍ مثل جورج عقيص وملحم رياشي وفادي كرم وسعيد الأسمر لا يرتبط بإقصاءٍ أو صدامٍ مع القيادة، بل باعتباراتٍ انتخابيّةٍ وشخصيّةٍ وتكتيكيّةٍ هدفها تحسين الحاصل وتوسيع الحضور، فيما يبقى العازفون ضمن جسم الحزب وقد يكلّفون بأدوارٍ جديدةٍ، في إطار رؤيةٍ تقوم على تداول المسؤوليات وضخّ دمٍ جديدٍ والاستفادة من تراكم الخبرات، بعيدًا من الضجيج المفتعل.
رسائل ميدانيّةٌ تواكب بازار السّياسة
على الصّعيد الأمنيّ، تستمرّ الاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة بسلسلة غاراتٍ وتصعيدٍ متدرّج. ففي الساعات الماضية، سجّلت غاراتٌ طالت بصليّا على أطراف جباع، ومنطقة حميلة الوادي بين دير الزهراني وحومين الفوقا، ووادي برغز في حاصبيّا، إضافةً إلى جبل الريحان، وما بين عقماتا وسجد، ومناطق أخرى جنوبًا.
توقيت هذا التّصعيد ليس تفصيلًا. فالجنوب، في كلّ مرّةٍ، يتحوّل إلى شاشة عرضٍ موازيةٍ لما يجري في بيروت: كلّما اقتربت جلسةٌ حسّاسةٌ، أو مفاوضةٌ ماليّةٌ، أو استحقاقٌ خارجيٌّ مرتبطٌ بدعم الجيش، ارتفعت وتيرة “الرّسائل بالنّار”، وكأنّ الميدان يذكّر الجميع بأنّ الدّولة، مهما فاوضت، لا تزال تعمل تحت سقف تهديدٍ دائمٍ.
في المقلب الآخر، يواكب الإعلام العبريّ وبعض مراكز الأبحاث الإسرائيليّة الحديث عن إعادة هيكلةٍ داخل حزب الله، في أعقاب خسائر قاسيةٍ طالت قياداتٍ عليا خلال المواجهات مع إسرائيل. وفي هذا السّياق، نشر مركز “ألما” الإسرائيليّ تقريرًا يتناول ما وصفه بإعادة ترتيبٍ لمراكز القرار، وتوسيع دور القيادة السّياسيّة المدنيّة داخل بنية التنظيم، عبر تغييراتٍ وتعييناتٍ تنظيميّةٍ وإداريّةٍ وإعلاميّةٍ.
في التفاصيل الّتي تتداول أخيرًا، يذهب تقرير “ألما” إلى حدّ الحديث عن احتمال تعيين النائب محمّد رعد نائبًا للأمين العامّ، بما يمثّل، إن صحّ، دفعًا إضافيًّا نحو تثبيت “الواجهة السّياسيّة” في قمّة الهرم، ولا سيّما أنّ رعد يعدّ من أبرز كوادر الحزب السّياسيّين ومن أقدم وجوهه البرلمانيّة




