غارات تستهدف الضاحية والجنوب.. تصعيد حدودي

0
21

يقف لبنان مجدّدًا عند تخوم مرحلةٍ شديدة الخطورة، حيث يتقدّم الميدان على ما عداه، وتفرض الغارات الإسرائيليّة المتواصلة إيقاعها على الجنوب والضّاحية ومناطق لبنانيّة عدّة، فيما تتّسع دائرة الرّسائل السّياسيّة والدبلوماسيّة في اتجاهاتٍ متشابكة، من الليطاني إلى بيروت، ومن تلّ أبيب إلى باريس وطهران. وفي ظلّ هذا المشهد، لا يبدو هناك أي أُفق لإنهاء الحرب الدائرة، بل يجد لبنان نفسه أمام محاولةٍ لإعادة رسم الوقائع بالنّار، وفرض توازناتٍ جديدة تحت ضغط القصف والتهجير والخرق المنهجيّ لكلّ ما تبقّى من هوامش التهدئة.

ميدانيًّا، ارتفع منسوب التوتّر على نحوٍ دراماتيكيّ، مع سقوط قتيلة قرب “روش بينا” في الجليل الأعلى وإصابة شخصين آخرين بجروحٍ جرّاء إطلاق وابلٍ من القذائف الصّاروخيّة من لبنان باتّجاه الجليل الأعلى، في وقتٍ تحدّثت فيه المعطيات عن إطلاق 38 قذيفة نحو البلدات الحدوديّة في الجليل الأعلى والجليل الغربيّ مساء الثّلاثاء. وفي المقابل، مضت إسرائيل في تكريس خيارها العسكريّ، معلنةً تدمير “معبرٍ رئيسيٍّ” آخر على نهر الليطاني، في استكمالٍ واضحٍ لسياسة قطع أوصال الجنوب اللبنانيّ وعزله عن عمقه الدّاخليّ.

وقال وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس إنّ “مئات آلاف سكّان جنوب لبنان، الذين نزحوا شمالًا، لن يعودوا إلى جنوب نهر الليطاني حتّى يتمّ ضمان الأمن لسكّان الشّمال”، مضيفًا أنّ “جميع الجسور الخمسة التي كان يستخدمها حزب الله لنقل العناصر والأسلحة فوق نهر الليطاني قد جرى تفجيرها”، وأنّ الجيش الإسرائيليّ “سيسيطر على الجسور المتبقّية والمنطقة الأمنيّة الممتدّة حتّى نهر الليطاني”. قائلًا: “سنسيطر على المنطقة الأمنية حتى نهر الليطاني ولن نسمح بوجود صواريخ في لبنان”.

ويعكس هذا الكلام بوضوحٍ توجّهًا إسرائيليًّا نحو تثبيت وقائع ميدانيّة جديدة، تتجاوز إطار الرّدّ العسكريّ إلى محاولة بناء شريطٍ أمنيٍّ بالنّار.

الجيش الإسرائيليّ يُعلِن استهدافَ مواقعَ لـِ “حزب الله” في بنت جبيل

أعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، أفيخاي أدرعي، عبر منصّة “إكس”، أنّ قوّات الفرقة 91 “قضت على خلية مسلّحة ودمّرت مقرًّا لوحدة الصواريخ المضادّة للدّروع التّابعة لـِ “حزب الله” في منطقة بنت جبيل، جنوبيّ لبنان”.

وقال أدرعي إنّ “قوّات الفرقة 91 تواصل نشاطها البرّيّ المركّز في جنوب لبنان، بهدف إنشاء منطقة دفاعٍ أماميّة، والدّفاع عن سكّان الشّمال”، مشيرًا إلى أنّ القوّات هاجمت، خلال الأيّام الأخيرة، “عددًا من البنى التحتيّة والأهداف التّابعة لوحدة الصواريخ المضادّة للدّروع في “حزب الله”، بهدف إزالة تهديد استهداف قوّات الجيش العاملة في جنوب لبنان وبلدات الشّمال”.

وأضاف أنّه “في مطلع الأسبوع، جرى استهداف مقرٍّ كان يُستخدَم من قِبل وحدة الصواريخ المضادّة للدّروع في منطقة بنت جبيل”، لافتًا إلى أنّه “تمّ أيضًا استهداف مقرٍّ آخر قُضيَ خلاله على خليةٍ مؤلّفةٍ من خمسة عناصر من وحدة الصواريخ المضادّة للدّروع في جنوب لبنان”.

وتابع أنّ سلاح الجوّ الإسرائيليّ هاجم، أمس الاثنين، “عددًا من البنى التحتيّة الإضافيّة التّابعة لـِ “حزب الله”، بما في ذلك مربضٌ آخر للصواريخ المضادّة للدّروع، كان الحزب يخطّط لاستخدامه في استهداف قوّاتنا في المنطقة”.

وختم أدرعي بالقول إنّ الجيش الإسرائيليّ “يواصل العمل بقوّة ضدّ “حزب الله”، الذي قرّر الانضمام إلى القتال والعمل برعاية النّظام الإيرانيّ، ولن يسمح بالمساس بمواطني دولة إسرائيل”.

Image-1774383846

ليلة عنيفة

بعد ليلةٍ عنيفةٍ عاشتها الضّاحية الجنوبيّة والجنوب تحت وطأة الغارات والقصف، استفاقت مناطق لبنانيّة عدّة على اعتداءاتٍ متفرّقة طالت صيدا وبشامون، قبل أن يتصاعد المشهد مع ساعات بعد الظّهر ويبلغ ذروته في مدينة صور، حيث شنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ غاراتٍ عنيفةً ومكثّفة، أعقبت تحذيراتٍ مسبقة، في تصعيدٍ يعكس اتّساع رقعة الاستهداف وشدّة العدوان.

وشنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ غارةً ثالثةً على محيط مدينة صور خلال أقلّ من ساعة، تزامنًا مع غارةٍ نفّذتها مسيّرة على بلدة حبوش، كما استهدفت غارةٌ مبنًى في المساكن الشّعبيّة على طريق البرج الشّمالي، صور.

وفي تطوّرٍ متّصل، استهدفت مسيّرةٌ إسرائيليّة دوّار العلم في صور، وهذا ما أدّى إلى إصابة أربعة أشخاص، قبل أن تعاود استهداف النّقطة نفسها بعد تجمّع شبّانٍ حول المصابين، في مشهدٍ يعكس عدوانيّةً صارخةً في التّعامل مع المدنيّين، لترتفع الحصيلة إلى 14 جريحًا. وفي النّبطيّة، طال العدوان المدينة بأكثر من غارة، واستهدفت إحدى الغارات درّاجةً ناريّةً، وهذا ما أدّى إلى استشهاد مسعفَين من فريق إسعاف النّبطيّة.

طرد السفير الإيرانيّ

في موازاة النّار، حضرت السّياسة على نحوٍ فاقع. فقد اعتبر الرّئيس الإسرائيليّ أنَّ قرار الدّولة اللّبنانيّة طرد السّفير الإيرانيّ يمثّل “ثورة”، مضيفًا أنّ السّفير الإيرانيّ كان بمثابة “المفوّض السّامي” في لبنان. ورأى أنّ طرد السّفير الإيرانيّ من لبنان “حدثٌ تاريخيٌّ يتطلّب فهم التغيّرات التي قد تحدث واستكمال الخطوات السّياسيّة”.

وفي موقفٍ دبلوماسيٍّ لافت، أعلنت وزارة الخارجيّة اللّبنانيّة إبلاغ القائم بالأعمال الإيرانيّ في لبنان، توفيق صمدي خوشخو، بقرار الدّولة اللّبنانيّة سحب الموافقة على اعتماد السّفير الإيرانيّ المعيّن محمّد رضا شيباني، وإعلانه شخصًا غير مرغوبٍ فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللّبنانيّة في موعدٍ أقصاه الأحد المقبل، الواقع في 29 آذار 2026.

في المقابل، طالب الرّئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، في اتّصالٍ مع الرّئيس الإسرائيليّ إسحاق هرتسوغ، بضرورة وقف الهجمات ومنع التّصعيد في لبنان والمنطقة، في وقتٍ تتكثّف فيه المساعي الفرنسيّة لمنع انزلاق الوضع إلى حربٍ أكثر اتّساعًا.

غير أنّه، وعلى الرّغم من هذا الحراك، لا تبدو في الأفق أيَّة مؤشّراتٍ جدّيّة إلى خرقٍ دبلوماسيّ. فالاتّصالات مستمرّة، لكنّها لم تفلح حتّى الآن في لجم العدوان أو فتح ثغرةٍ في جدار الأزمة. ويزيد المشهد اللّبنانيّ الدّاخليّ تعقيدًا ما يشهده من انقساماتٍ على أكثر من مستوى، وخصوصًا في ملفّ التّفاوض مع إسرائيل، في ظلّ تمسّك رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي بآليّة لجنة مراقبة وقف العمليّات العدائيّة “الميكانيزم”، ورفضه، تبعًا لذلك، تسمية ممثّلٍ عن الطّائفة الشّيعيّة في وفد لبنان المفاوض، من دون تسجيل أيّ اختراقٍ حتّى الآن.

صاروخٌ إيرانيٌّ فوق كسروان

وفي تطوّرٍ لافت، عاش سكّان كسروان حالةً من البلبلة بعد سماع دويّ انفجارٍ في الأجواء، قبل أن يتبيّن أنّ الانفجار ناتجٌ من تفتّت صاروخٍ في الجوّ وتساقط شظايا في عددٍ من المناطق، وسط معلوماتٍ متضاربةٍ حول طبيعته ومكانه الدّقيق.

وفيما أشارت بعض المعطيات إلى أنَّ الصّاروخ كان يستهدف السّفارة الأميركيّة، تحدّثت معلوماتٌ أخرى عن أنّ الهدف كان دولةً أخرى، يُرجّح أنّها قبرص، قبل أن يتفتّت الصّاروخ في الجوّ وقبل بلوغ وجهته.

استهدافٌ في صيدا

وفي صيدا، استهدف الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ منزلًا في مخيّم الميّة وميّة، قضاء صيدا، يعود إلى المسؤول في حركة “حماس” سليم عقل، ما أدّى إلى سقوط ثلاثة شهداء.

وتوسّع نطاق الغارات الإسرائيليّة منذ ساعات الصّباح الأولى ليشمل عددًا من القرى والبلدات في الجنوب، فضلًا عن استهداف محطّات “الأمانة” التّابعة لـ”حزب الله” في النّبطيّة وعددٍ من القرى الجنوبيّة.

وسقط عددٌ من الشّهداء والجرحى في سلسلة ضرباتٍ إسرائيليّةٍ طالت مناطق لبنانيّةً عدّة، من بشامون إلى بلدات قضاء صور، وسط استمرار القصف بوتيرةٍ مرتفعة. وأعلن مركز عمليّات طوارئ الصّحّة التّابع لوزارة الصّحّة العامّة أنّ الغارة على بلدة بشامون في قضاء عاليه أدّت إلى استشهاد ثلاثة أشخاص، بينهم طفلةٌ تبلغ من العمر ثلاث سنوات، إضافةً إلى إصابة أربعة آخرين بجروح.

وتوزّعت حصيلة الغارات على عددٍ من بلدات قضاء صور، حيث أسفرت الغارة على بلدة سلعا عن استشهاد شخصين وإصابة 14 آخرين بجروح، فيما سقط ثلاثة شهداء في بلدة صريفا، وسُجّل جريحان في بلدة عيتيت.

وكان هذا التّصعيد قد سبقته ليلةٌ عنيفةٌ شهدتها الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، حيث استهدفت غارةٌ إسرائيليّة، فجر الثّلاثاء، شقّةً سكنيّةً في منطقة بشامون، قضاء عاليه. وعلى الفور، هرعت فرق الإسعاف والدّفاع المدنيّ إلى موقع الاستهداف لإخماد الحريق وإجلاء المصابين.

كما يأتي هذا الاستهداف بعد أن شنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ ليلًا ما لا يقلّ عن سبع غاراتٍ على الضّاحية الجنوبيّة، استهدفت مناطق بئر العبد، والرّويس عند أطراف المنشية، وحارة حريك، وأوتوستراد السّيّد هادي نصرالله، وسان تيريز، وبرج البراجنة، والكفاءات.

وفي تطوّرٍ خطير، سُجِّل توغّل قوّةٍ من الجيش الإسرائيليّ داخل بلدة حلتا في منطقة العرقوب، حيث اقتحمت عددًا من المنازل وأطلقت النّار على المواطنين، ما أدّى إلى استشهاد المواطن محمّد علي عبد العال، وهو فتىً يبلغ من العمر 15 عامًا، وإصابة أشرف خليل القادري، كما أقدمت على اختطاف شادي كرامة عبد العال قبل أن تنسحب من البلدة، وسط حالةٍ من التوتّر والقلق في المنطقة.

محطّات “الأمانة

وبعد إنذارٍ إسرائيليٍّ بإخلائها، شنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ فجر الثّلاثاء غاراتٍ استهدفت محطّات “الأمانة” في الرّشيديّة، والبرغليّة، وديرنطار، وعلى جادّة الرّئيس برّي، وعلى طريق شوكين مقابل مفرق نادي الشّقيف في النّبطيّة. كما استهدف محطّةً للأمانة في كفرتبنيت.

وشنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ أيضًا سلسلة غاراتٍ عنيفةً استهدفت بلدة البرغليّة، ولا سيّما محطّات “الأمانة” في ديرنطار، المجادل، والبرغليّة، والرّشيديّة في جنوب لبنان، وذلك بعد الإنذار الذي وجّهه المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ إلى سكّان المنطقة.

وتزامن ذلك مع تحليقٍ مكثّفٍ للطّيران الحربيّ الإسرائيليّ على علوٍّ منخفض فوق بيروت وجبل لبنان وكسروان. وأفاد شهود عيانٍ بأنّ الطّائرات الحربيّة ألقت بالوناتٍ حراريّةً في أجواء عددٍ من المناطق، في إطار إجراءات تشويشٍ دفاعيّة، ما أثار حالةً من القلق بين السّكّان مع استمرار التّحليق العسكريّ الكثيف.

وكان المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ قد وجّه، قبل ساعاتٍ من الغارات، إنذارًا عاجلًا إلى سكّان قريتَي البرغليّة والرّشيديّة، دعاهم فيه إلى إخلاء منازلهم فورًا والتوجّه شمال نهر الزّهراني، محذّرًا من عمليّاتٍ عسكريّةٍ ينفّذها الجيش الإسرائيليّ في تلك المناطق، ومشيرًا إلى أنّ “أنشطة حزب الله تجبر الجيش الإسرائيليّ على العمل ضدّه بقوّة”.

في المقابل، جدّد “حزب الله” قصفه لمواقع عسكريّةٍ وتجمّعاتٍ لجنود الجيش الإسرائيليّ، وأعلن، فجر الثّلاثاء، في بيانٍ، قصف تجمّعٍ لجنودٍ إسرائيليّين متمركزين في منطقة بوّابة فاطمة في بلدة كفركلا جنوبيّ لبنان. وقال إنّ عناصره استهدفوا أيضًا مرابض مدفعيّةً لجيش الاحتلال في مستوطنة سعسع بسربٍ من المسيّرات الانقضاضيّة، إضافةً إلى استهداف رادارٍ عسكريٍّ جنوب مستوطنة معالوت.

كما هاجم مقاتلو “حزب الله”، بالمسيّرات الانقضاضيّة، ثكنة ليمان شمال مستوطنة نهاريا، وسُمِع كذلك دويّ صفّارات الإنذار في بلداتٍ عدّةٍ في الجليل الغربيّ شمال إسرائيل.

وأعلن الحزب، أمس الاثنين، تنفيذ 54 هجومًا بصواريخ ومسيّرات ضدّ تجمّعات الجيش الإسرائيليّ وآليّاته في بلدات جنوبيّ لبنان، ومستوطَناتٍ ومواقع عسكريّةٍ شماليّ إسرائيل. وأوضح أنّه استهدف ستّ ثكناتٍ وقاعدتَين عسكريّتَين، ونفّذ 23 تصدّيًا لعمليّات تقدّمٍ بريّ، وهاجم 15 موقعًا حدوديًّا.

هكذا، يبدو لبنان عالقًا بين نيران الميدان وعجز السّياسة، فيما يُراد للجنوب أن يُعاد تشكيله بالقوّة، وللدّولة أن تُدفَع إلى خياراتٍ كبرى تحت ضغط الحرب، في لحظةٍ لا تحتمل مزيدًا من التآكل ولا مزيدًا من الانتظار.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا