الحقيقة التي استقصت عنها “المدن” أن متمولين ينتمون إلى الطائفة الشيعية تبرعوا بأموال لبناء هنغار قرب سوق السمك في الكرنتينا، يتسع لـِ 1000 نازح كحد أقصى، وبدأت الأعمال منذ فترة. وقد وافقت لجنة الكوارث في السراي الحكومي، المؤلفة من وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد ومحافظ مدينة بيروت، على بناء هذا الهنغار من دون التعمق في الخلفيات، إن وُجدت.
وتحدثت مصادر في بلدية بيروت بأن المسألة في جوهرها إنسانية، لأن الناس في الطرقات، ونحن منهمكون في البحث عن أماكن في بيروت تؤوي هؤلاء، كي لا يبقوا مشرّدين في ظل الظروف المناخية المتقلبة، وليس بالضرورة أن تكون الخلفية دائمًا مؤامرة. وما حصل في موضوع هنغار الكرنتينا كان قرارًا متسرعًا من المرجعيات الحكومية. فقد كنا نسعى إلى إقناع رئيس الحكومة نواف سلام بفتح المدينة الرياضية لإيواء النازحين، خصوصًا أنها تتضمن مساحات شاسعة تستوعب عددًا كبيرًا من الناس، إلا أنه رفض في البداية، ثم وافق لاحقًا ولكن على نحوٍ جزئي، بحيث تؤوي اليوم 1000 نازح، فيما قدرتها الاستيعابية، لو جرى تجهيزها وفق الأصول وبمعايير علمية، قد تبلغ 8000 نازح.
في المقابل، تبيّن بعد المعاينة أن هنغار الكرنتينا جُهِّز ثلثه بالغرف، والحمامات فيه مشتركة، ولا نوافذ له ولا حتى سقف مناسب، وهناك اقتراحات بنصب خيم داخله، وهو يقع وسط بيئة غير صحية بسبب روائح مجارير الصرف الصحي والكلاب الشاردة. ويتولى الصليب الأحمر الإشراف عليه، إلا أن الاحتجاجات الشعبية والضغوط السياسية دفعت المحافظ مروان عبود إلى وقف الأعمال مؤقتاً وتجميد المشروع في الوقت الحاضر، ريثما تتخذ لجنة الكوارث في السراي الحكومي قراراً نهائياً لتحديد مصيره.
من جهتها، انكبت “القوات اللبنانية” على معالجة الموضوع سياسيًا عبر إرسال نوابها مع وقد من نواب بيروت للقاء سلام، وأوضحت مصادرها أن إنشاء مركز إيواء قرب المرفأ يضرّ بالمناطق المحيطة به، ولا سيما المدور والصيفي والرميل والأشرفية، علمًا أن المرفأ مرفق عام استراتيجي لكل لبنان، ووجود مركز لإيواء النازحين في محيطه يؤثر على حركته، كالحاويات والشاحنات التي تصطف قرب هذا المركز المزمع إنشاؤه، كما يؤثر على الطرق المؤدية إلى المتن الجنوبي والمتن الشمالي.
ولا تقلل مصادر “القوات” من خطورة هذا المركز على أهالي المناطق المجاورة، سواء من زاوية الذاكرة الشعبية المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت أو تاريخ الحروب التي شهدتها المنطقة، لافتة إلى أنها تكثف اتصالاتها مع المسؤولين المعنيين، كرئيس الحكومة ومحافظ بيروت ووزيرة الشؤون الاجتماعية، وجميعهم متعاونون لنقل هواجس الناس إليهم. وبالتالي، ترى أن هذا المشروع يجب أن يتوقف، لأنه غير صالح بسبب وضعه البيئي، والبنى التحتية غير المؤهلة، ووجوده في منطقة خطرة مرتبطة بعمليات مرفأ بيروت.
وتطرح مصادر “القوات” علامات استفهام حول احتمال حصول تمدد سكاني عشوائي بعد كل موجة نزوح، يصعب التحكم فيه، وخصوصًا في ظل مخاوف من أن يكون بعض النازحين على علاقة بطرف مسلح أكبر من الدولة ويرتبط بمحور إقليمي يمتلك خبرة في استثمار الفراغات. لذلك، فإن وضع أي تجمع بشري من هذه البيئة داخل محيط المرفأ لا يمكن قراءته ببراءة إدارية. وتشير المصادر إلى أن مقارنة عودة النازحين بعد حربي 2006 و2023 بوضعهم الحالي قد لا تكون دقيقة، لأن حجم الدمار هذه المرة يبدو أكبر، وليس واضحًا إلى أي بيوت أو قرى أو بلدات سيعود هؤلاء.
وفي جولة قامت بها “المدن” من وسط بيروت، وتحديدًا من بشارة الخوري وصولًا إلى مستديرة الطيونة، بدا المشهد دراماتيكيًا مع انتشار مئات خيم النازحين على جانبي الطريق بشكل فوضوي. لذلك تشير مصادر بلدية بيروت إلى أن الحل يكمن في تجهيز المدينة الرياضية التابعة بلديًا لمنطقة الغبيري، لتأوي آلاف النازحين، وقد تمكنا من إقناع الرئيس سلام بذلك بعد اجتماعات عديدة، مؤكدة أن “القوص” على المشكلة أمر سهل، أما إيجاد البديل فهو بالغ الصعوبة.
مخاوف جزء كبير من البيروتيين من إنشاء مركز إيواء في محيط المرفأ قد تكون في محلها، وكثيرون يتوجسون من استغلال “حزب الله” لهذا الانتشار، ويتساءلون: هل يُستخدم مركز الإيواء كمدخل غير مباشر لتطويق بيروت من خاصرتها البحرية؟
صحيح أن الأعمال متوقّفة في المشروع حالياً، إلا أن المناشدات لصرف النظر عنه نهائيًا مستمرة، والمعترضون متخوفون من تجارب سابقة كالأوزاعي وسان سيمون، إذ إن التهجير الذي حصل في زمن الحرب اللبنانية إلى منطقة سان سيمون كان يفترض أن يكون مؤقتًا، لكنه مستمر منذ نحو 50 عامًا، وهو ما قد يتكرر في مركز الإيواء المزمع إنشاؤه في الكرنتينا.
من جهةٍ ثانيّة، أصدرت وحدةُ إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء بيانًا نفت فيه صحّةَ الأخبار المتداولة بشأن الموقع الذي يجري تجهيزه في الكرنتينا، مؤكِّدةً أنّ “كلّ ما يُشاع حول هذا الموقع عارٍ عن الصحّة”.
وأوضحت الوحدة أنّ الموقع يُجهَّز “كإجراءٍ احتياطيٍّ وليس للاستخدام الفوريّ”، مشيرةً إلى أنّ وجهة استعماله “لم تُحدَّد بعد” حتى الآن.
وشدّدت الوحدة على أنّ الموقع يقع خارج نطاق مرفأ بيروت، ولا يؤثّر بأيّ شكلٍ من الأشكال على سير العمل أو العمليّات فيه، كما أنّه يبعد نحو كيلومترٍ واحدٍ عن الأحياء السكنيّة.
وأضافت أنّ بدء العمل في الموقع، متى تقرّر، سيترافق مع اتّخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على السلامة العامّة، وعلى العلاقة الطيّبة مع المجتمع المحلّي، لافتةً إلى أنّ المنطقة تخضع لإشراف الجيش والقوى الأمنيّة المختصّة.
وفي ختام بيانها، أعادت الوحدة التذكير بضرورة اعتماد خطابٍ مسؤولٍ وهادئٍ في تناول هذا الملفّ، بعيدًا عن “التضليل والتهويل”، بما يحفظ المصلحة العامّة والوحدة الوطنيّة ويصون استقرار البلاد.




