أبعد من طرد سفير

0
9

د.سعاد الرامي – نداء الوطن

منذ مدة بات واضحًا كيف سلك الخلاف بين الدولتين اللبنانية والإيرانية، مسارًا تصاعديًا، إلى أن وصل إلى الأزمة الدبلوماسية التي نشهدها اليوم، على خلفية اعتبار لبنان، السفير الإيراني المعتمد في بيروت محمد رضا شيباني، شخصًا غير مرغوب به.

في الواقع، تؤكد متابعة مسار العلاقات اللبنانية – الإيرانية، أنه كان يفترض بالدولة اللبنانية، أن تتخذ الإجراء الأوّل بحق الدولة الإيرانية، منذ أن أعلن الأمين العام السابق لـ “حزب الله” حسن نصرالله، علنًا أن الدعم المالي والعسكري لـ”الحزب” هو من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. 

عندها، كان على لبنان المبادرة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية أو على الأقل استدعاء السفير الإيراني حينها، وتسليمه احتجاجًا رسميًا. ولكن بما أنّ القرار في وزارة الخارجية والدولة للبنانية كان مخطوفًا من قبل إيران على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، فلم تحرّك الدولة والحكومة ساكنًا حيال هذه التحركات التي تمسّ بالأمن الوطني وتهدّد الاستقرار الداخلي.

بعدها وصلت الأمور إلى عملية تفجير “البيجر” خلال حرب “إسناد غزة” العام 2024، وكان حينها من بين المصابين، السفير الإيراني مجتبى أماني، وأيضًا لم تقدم الحكومة على أي إجراء لمحاسبته، وحتى سؤاله عن السبب الذي يدفعه لحمل جهاز “بيجر” وهو دبلوماسي وليس عسكريًا.

شيء ما بدأ يتغيّر، مع وصول العماد جواف عون إلى سدّة الرئاسة، والقاضي نواف سلام إلى رئاسة الحكومة مطلع العام 2025. لمس اللبنانيون تغييرًا في طريقة التعاطي، ونفسًا سياديًا واضحًا. اتخذ مجلس الوزراء سلسلة قرارات بحق الدولة الإيرانية رفضًا لتدخلها المستمرّ في الشؤون الداخلية اللبنانية. ومن أبرز هذه الخطوات، منع هبوط الطائرات الإيرانية في مطار رفيق الحريري الدولي، وفرض تفتيش حقائب الوفود الإيرانية ومنع إدخاها إلى البلاد في حال الاشتباه بحمولتها، وإعادة فرض تأشيرة دخول على المواطنين الإيرانيين، إضافة إلى إدانة التدخل الإيراني في لبنان عبر فصيل خارج عن القانون اللبناني، وصولًا إلى قرار الحكومة بسحب سلاح “حزب الله” في 5 آب 2025، وقرار اعتبار “الحزب” فصيلًا خارجًا عن القانون. وقد أتى على رأس هذه الخطوات السيادية، الإجراء الاخير برفض أوراق اعتماد السفير شيباني واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، والذي اتخذته الخارجية اللبنانية بشخص الوزير يوسف رجي وبمباركة رئيسَي الجمهورية والحكومة.

لا شك أن الوقت حان كي تبدأ الدولة بالضرب بيد من حديد حتى تمسك بزمام المبادرة وتظهر للخارج أنها صاحبة الكلمة الفصل في لبنان، فالقرارت السيادية تأتي في إطار سياسي وعسكري وأمني ودبلوماسي، ومن هنا جاء القرار بحق السفير الإيراني. 

أما إذا واصلت طهران سياسة التعنّت واستمرت بسياسة التدخل في شؤون لبنان، بأساليب مختلفة، وأكملت مشاركتها في تهديد السلم الأهلي، لا بدّ أن تتصاعد الأمور إلى أن تصل إلى حدّ إقفال السفارة الإيرانية في بيروت وطرد جميع الدبلوماسيين والموظفين فيها.

الكل بات يعلم بحقيقة التدخل العسكري الإيراني في لبنان، سواء عبر تزويد “حزب الله” بالعتاد والأسلحة والذخائر والصواريخ، من دون أن ننسى المعلومات الموثوقة التي تحدثت في الأسابيع الماضية عن إرسال عناصر من “الحرس الثوري الإيراني” إلى لبنان للإشراف على تدريب عناصر “الحزب” وتنظيم هيكليته، إلى جانب المعلومات التي تحدثت عن تجوّل سيارة تابعة للسفارة الإيرانية في أحد شوارع 

لبنان وهي تنقل أعتدة عسكرية.

اليوم هي المهلة المحدّدة للسفير الإيراني، فإما أن ينفذ قرار الشرعية ويغادر أراضي لبنان، وإما يصبح سفيرًا بلا حصانة دبلوماسية، ويعتبر شخصًا إيرانيًا يبقى عنوة على الأراضي اللبنانية، ما يسمح للحكومة باتخاذ الإجراءات المناسبة بحقه كما بات معلومًا. 

والسؤال المطروح، ماذا لو اعتبرته إسرائيل عنصرًا من “الحرس الثوري الايراني” و تم استهدافه على اراضينا؟ 

أوليس الأفضل لإيران أن تحفظ ماء وجهها الدبلوماسي وتبرهن للمجتمع الدولي أنها لا تتدخل بالشأن اللبناني ولا تقبل بأن يبقى سفيرها رغمًا عن قرار الدولة، فتلتزم بقرار رفض اعتماد سفيرها في بيروت وتسحبه منا؟

تجدر الإشارة، إلى أنه حتى إذا غادر السفير شيباني وحلّ سفير آخر مكانه، لن تحلّ أزمة لبنان مع الدولة الإيرانية، لأن تدخلها فاضح وواضح في السنوات الأخيرة، والحلّ يجب أن يكون جذريًا لأن الامور لا تحتمل المراوغة. من هنا، يؤيد كثيرون خيار إقفال السفارة الايرانية وقطع العلاقت مع ايران، وعندها يكون لبنان قد حقق خطوة دبلوماسية صحيحة، إلى أن تثبت طهران جهوزيتها للالتزم بعلاقات ندية مع بيروت.

يبقى أنّ الوضع الراهن، وفي ظل التغيرات المتسارعة في المنطقة، لم يعد يحتمل المواقف الرمادية، بل “يا أبيض يا أسود”، فإمّا أن ندعم لبنان السيّد الحرّ المستقلّ وصاحب القرارات السيادية، أو سنبقى في دائرة مواقف لا تخدم لبنان ومصلحته وسيادته واستقراره، وعندها لا يمكننا التصدّي لممارسات حزب خارج عن القانون، وداعميه في محور “الممانعة”.

في النهاية، لا بدّ أن تكون الغلبة للحقيقة، وأن ينتصر الحق على الباطل.