خاص : الإمام نادر العقاد
إمام الجامع الكبير في روما والرئيس المشارك في تأسيس الهيئة المريمية المسلمة المسيحية لدى الأكاديمية الحبريّة المريمية في حاضرة الفاتيكان

بسم الله الرحمن الرحيم
في هذه الأيام المباركة، وبينما تتقاطع أصوامنا وصفاء أرواحنا في زمن أعياد القيامة والرجاء، نرفع قلوبنا بضراعة إلى الله عز وجل، سائلين إياه أن يمنّ على أهلنا في لبنان وفي المنطقة بالأمن والأمان. إن ما يشهده لبنان والمنطقة اليوم من تصعيد خطير وعدوان وقصف، لا سيما ما يتعرض له الجنوب اللبناني وإيران، يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل، تدفعنا للمطالبة بوقف فوري للعدوان والتوصل لاتفاق سلام يحقن الدماء.
إن السلم الأهلي ليس مجرد مصطلح سياسي، بل هو الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمعات وقدسية الحياة. وفي ظل قرع طبول الحرب، يصبح الحوار هو الجسر الوحيد الذي يكسر قيود الكراهية والتحريض، ويستبدلها بخطاب المحبة والمسؤولية المشتركة. إننا نحذر من أن الحروب لا تخلف إلا الدمار والآلام، ولا بديل عن لغة العقل والتلاقي لإنقاذ إنسانيتنا وأوطاننا.
بقلبٍ يعتصره الألم، وبصفتي مؤسس الهيئة المريمية المسلمة المسيحية، أتوقف عند الحدث الذي يميز لبنان كوطن للرسالة، وهو احتفالية “عيد البشارة” والتي تعتبر عيد وطني يتميز به لبنان ويجمع أبناءه من مسلمين ومسيحيين في عيد مشترك (25 آذار الماضي). وللأسف، ولأول مرة بسبب ظروف الحرب والقصف القائم، أحيينا هذا اللقاء المريمي الجامع خلف أبواب مغلقة. لقد حُرمنا من الاحتفاء بمريم العذراء، التي تجمع المسلمين والمسيحيين، في فضاءات لبنان المفتوحة، لكننا نؤكد أن رسالتها ستبقى حية تدعونا للصمود من أجل السلام.
إن مسيرتنا معاً في طريق الأخوة والمحبة بين المسلمين والمسيحيين تستند إلى ثوابت راسخة، بدءاً من “وثيقة الأخوة الإنسانية” التي وقعها قداسة البابا الراحل فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، وصولاً إلى الزيارة التاريخية والمفصلية التي قام بها قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان مؤخراً (نهاية عام 2025).
لقد كانت رحلة البابا لاوون الخارجية الأولى رسالة دعم سماوية للبنان وسط أزماته؛ حيث صلى في مرفأ بيروت، وزار دير القديس شربل، والتقى بالشباب مؤكداً أن “لبنان في قلبه وصلاته”. إن هذه الزيارة عززت فينا الإيمان بأن الحوار المسلم المسيحي هو الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات التفتيت والحروب.
في الختام، وبينما نعيش أجواء أسبوع القيامة المجيد، أدعو الجميع إلى تكثيف الصلاة والدعاء لله تعالى ليحمي لبنان والمنطقة من ويلات الحروب. إن الصلاة هي سلاحنا الروحي الأقوى لتليين القلوب القاسية وهداية العقول نحو الرشاد.
ليكن صيامنا وصلواتنا حافزاً لبناء وطن يتسع للجميع، محصناً بالوعي والمودة، ومؤمناً بأن الأمل والرجاء هما قدر لبنان المحتوم مهما اشتدت الخطوب.
فلندعُ الله أن يربط على قلوب المتألمين، وأن يهدي العقول نحو الرشاد، وأن يوقف نزيف الدماء والدمار في لبنان والمنطقة.
لبنان كان وسيبقى رسالة عيش مشترك، وبالصبر والحوار والوحدة، سيقوم من جديد إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .





