يشكّل قرار رئيس الحكومة تحويل بيروت إلى مدينة منزوعة السلاح نقطة تحوّل سياسية وأمنية تتجاوز الإطار الإجرائي التقليدي، لتلامس جوهر مفهوم الدولة في لبنان. فالقرار، الذي ينص على حصر السلاح بيد القوى الشرعية وتكليف الجيش والقوى الأمنية فرض السيطرة الكاملة على العاصمة، يعكس محاولة مباشرة لإعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للأمن في مدينة عاشت خلال السنوات الماضية على توازنات دقيقة بين المؤسسات الرسمية ووقائع الأمر الواقع.
ويأتي هذا التحول في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يُعاد رسم خرائط النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، ما يجعل من بيروت ساحة اختبار فعلية لقدرة الدولة على استعادة موقعها ضمن معادلة الأمن والسياسة.
غطاء سياسي لخطة بدأت ميدانيًا
في العمق، لا يبدو القرار انطلاقة جديدة بقدر ما هو تثبيت لمسار أمني بدأ فعليًا على الأرض قبل صدوره. إذ تشير مصادر مطلعة لـ “نداء الوطن” إلى أن الأجهزة الأمنية كانت تتحرك وفق خطة تدريجية لضبط الوضع داخل العاصمة، قبل أن يأتي القرار الحكومي ليمنح هذا المسار غطاءً سياسيًا واسعًا وشرعية تنفيذية أوضح.
هذا الانتقال من تنفيذ صامت إلى قرار معلن يعكس إدراك الدولة أن أي تحرك أمني في بيروت من دون غطاء سياسي سيبقى محدود الفعالية، في ظل تشابك القوى وتعدد مراكز النفوذ المسلح.
السلاح الفلسطيني: الاختبار الأول
في قلب هذا المشهد، يبرز ملف السلاح الفلسطيني كأحد أبرز الاختبارات المباشرة لقدرة الدولة على تحويل القرار إلى واقع. فبحسب مصادر فلسطينية أفادت “نداء الوطن”، حقق الجيش اللبناني تقدمًا في تنفيذ مراحل من الخطة، مع تأكيد واضح بأن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة لم يعد قابلًا للتبرير.
وتشير المعطيات إلى التزام “منظمة التحرير الفلسطينية” بتوجيهات الرئيس محمود عباس، ضمن تفاهمات مع الدولة اللبنانية، ما فتح مسارًا تدريجيًا لمعالجة هذا الملف داخل المخيمات.
في المقابل، لا تزال حركتا “حماس” و “الجهاد الإسلامي” خارج هذا المسار، عبر رفضهما تسليم السلاح، ما يخلق فجوة تنفيذية واضحة ويضع الدولة أمام اختبار فعلي لفرض السيادة الكاملة.
“حزب الله” ومعادلة القوة الموازية
يبقى “حزب الله” العنصر الأكثر تأثيرًا في معادلة السلاح داخل لبنان، باعتباره قوة عسكرية منظمة خارج إطار الدولة ومرتبطة بتوازنات إقليمية تتجاوز الداخل اللبناني .
من منظور استراتيجي، تمثل هذه المعادلة أحد أبرز عناصر التعقيد في مسار حصرية السلاح، إذ لا يتعلق الأمر بإجراء أمني داخلي فحسب، بل بإعادة تعريف موقع القوة داخل النظام السياسي نفسه، ما يربط أي مسار إصلاحي بتوازنات داخلية وإقليمية متشابكة.
رسائل داخلية وخارجية
يحمل قرار “بيروت منزوعة السلاح” رسائل متعددة. داخليًا، يوجّه إشارة واضحة إلى أن مرحلة تعدد مراكز القوة داخل العاصمة لم تعد قابلة للاستمرار، وأن الأمن بات وظيفة حصرية للدولة. أما خارجيًا، فهو محاولة لإظهار أن لبنان لا يزال قادرًا على إعادة ضبط عاصمته، ولو بالحد الأدنى، في ظل اضطراب إقليمي واسع.
إلا أن هذه الرسائل تصطدم بواقع ميداني معقد، حيث يحتفظ “حزب الله” وحلفاؤه بدور أمني فعلي في بعض المناطق، ما يجعل التنفيذ المعيار الحقيقي لنجاح القرار.
توافق سياسي هش
تنفي مصادر سياسية أن يكون القرار جزءًا من تسوية ضيقة، مؤكدة أنه جاء نتيجة توافق ضمني على تحييد الملف الأمني عن التجاذبات السياسية وتركه للمؤسسات العسكرية والأمنية.
غير أن هذا التوافق يبقى هشًا، إذ إن طبيعة المشهد اللبناني تجعل أي احتكاك سياسي أو أمني كفيلًا بإعادة خلط الأوراق بسرعة.
في هذا السياق، تكتسب دعوة رئيس الحكومة إلى إخلاء بيروت من السلاح بعدًا سياسيًا أعمق، إذ تعيد طرح السؤال الجوهري: من يحتكر القوة، ومن يحدد قواعد الأمن؟
وتُقرأ هذه الخطوة كمحاولة لإعادة تثبيت الدولة كمرجعية أمنية وحيدة، في مواجهة واقع طويل من ازدواجية القرار.
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع قرار “بيروت منزوعة السلاح” كإجراء أمني محدود، بل كجزء من مسار أوسع لإعادة هندسة مفهوم الدولة في لبنان. فالبلاد تقف أمام لحظة فرز حقيقية بين منطق الدولة الواحدة ومنطق التوازنات الأمنية المتعددة.
وفي هذا السياق، لا يقف لبنان أمام اختبار أمني عابر، بل أمام لحظة حاسمة: إما أن تفرض الدولة احتكارها الكامل للسلاح وتستعيد سيادتها الفعلية، أو يترسخ نهائيًا واقع الدويلات وتتآكل فكرة الدولة حتى حدود الانهيار.
نداء الوطن






