شربل مطر
اتفاق السلام المحتمل وانعكاساته على الداخل اللبناني
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يبرز الحديث عن اتفاق سلام محتمل بين لبنان وإسرائيل كأحد أبرز الملفات الحساسة التي قد تعيد رسم المشهد السياسي في البلاد. هذا الطرح، وإن كان لا يزال في إطار التوقعات، يحمل في طياته تداعيات عميقة على الداخل اللبناني، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي.
من جهة، يرى البعض أن أي اتفاق سلام قد يفتح الباب أمام استقرار نسبي وفرص اقتصادية جديدة، خصوصاً في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعيشها لبنان. فقد يساهم ذلك في جذب استثمارات خارجية وإعادة تنشيط قطاعات حيوية، إضافة إلى تخفيف حدة التوتر على الحدود الجنوبية.
في المقابل، يواجه هذا الطرح رفضاً واسعاً من قوى سياسية وشعبية تعتبر أن السلام مع إسرائيل مسألة تتجاوز البعد السياسي إلى قضايا سيادية وتاريخية. هذا الانقسام قد ينعكس توتراً داخلياً ويعيد إحياء الاصطفافات التقليدية، ما يهدد بزيادة حدة الانقسام بدل تحقيق الاستقرار.
أما على صعيد مواقف المسؤولين، فيُعرف رئيس الحكومة نواف سلام بمواقفه الداعية إلى احترام الشرعية الدولية والقانون الدولي، مع التشديد على حقوق لبنان وسيادته، دون الانخراط في أي طرح تطبيعي خارج هذا الإطار. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيُعد من أبرز الرافضين لفكرة التطبيع، حيث يربط أي نقاش من هذا النوع بالحقوق الوطنية الكاملة، خصوصاً في ما يتعلق بالأراضي المحتلة والحدود.
وفي السياق السياسي والأمني، يبرز دور رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي يركّز في مواقفه وتحركاته على أولوية الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، والتأكيد على حماية السيادة اللبنانية. كما يشدد على أهمية إدارة أي ملف مرتبط بالحدود أو بالعلاقة مع إسرائيل ضمن إطار وطني جامع، يوازن بين متطلبات الأمن والاعتبارات السياسية.
ويبقى السؤال الأبرز في حال حصول اتفاق: هل يستطيع الجيش اللبناني الإمساك بزمام الأمور داخلياً؟ من الناحية النظرية، يشكّل الجيش المؤسسة الوطنية الأبرز القادرة على حفظ الأمن وضبط الاستقرار، إلا أن قدرته الفعلية ترتبط بعدة عوامل، منها الغطاء السياسي الداخلي، وحجم التوافق بين القوى اللبنانية، إضافة إلى الدعم الدولي والإمكانات اللوجستية. وفي ظل الانقسامات القائمة، قد يواجه الجيش تحديات كبيرة في فرض الاستقرار بشكل كامل، ما يجعل نجاح أي مرحلة ما بعد الاتفاق مرتبطاً بتوافر إرادة سياسية جامعة إلى جانب الدور الأمني.
بناءً على ذلك، يبقى مستقبل هذا الملف مرتبطاً بتوازنات دقيقة، داخلية وإقليمية، حيث يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية قد تحدد ملامح واقعه لسنوات قادمة.




