بقلم د. فيليب سالم
فرصة تاريخية جديدة. وكم أضعنا من فرص تاريخية من قبلها. ألم يكن القرار 1701 فرصة تاريخية ؟ لقد كان . الا ان الحكم يومها لم يتمكن من بلورة موقف صلب وحاسم بالنسبة إلى تطبيقه؛ وتراجع أمام تهديد حزب الله بالفتنة. فاختار مسارا خاطئا. مسارا يلتزم بالتراضي مع حزب الله، بدل الطلب منه بالالتزام بتطبيق القرار. هذه المرة، نرجو من الحكم ألا يقع في الخطيئة مرة ثانية، ويخاف من هؤلاء الذين يهددونه. نذهب اليوم إلى مفاوضات مفصلية على أعلى المستويات الدبلوماسية، تعقد بناء على طلب من الولايات المتحدة وبرعايتها. هذه هي المرة الوحيدة في تاريخ لبنان المعاصر تقف فيها الولايات المتحدة بجانب لبنان بموقف صارم وواضح وقوي يدعم قيامته. ربما لا تكون أمريكا هي الوسيط الأمثل بين لبنان وإسرائيل، ولكنها بالتأكيد هي الوسيط الوحيد الذي يمكنه تنفيذ الاتفاق. وهي الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تفرض على إسرائيل الالتزام به.
ولكي تنجح هذه المفاوضات، يجب أن يعرف لبنان ماذا يريد . ويجب أن يحدد الطريق للوصول إلى ما يريد. من الطبيعي أن يطالب لبنان بوقف دائم لإطلاق النار، وبانسحاب الجيش الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية التي يحتلها، وعودة النازحين إلى قراهم. كما المطالبة بترسيم الحدود البرية والبحرية، والاتفاق على كل النقاط الخلافية. كلها أمور مهمة وضرورية ولكن هذه الأمور وحدها لا تأخذنا إلى السلام . هذه المرة نحن لسنا ذاهبين للتفاوض على الأرض والبحر والنفط والغاز فقط؛ بل للتفاوض على ما هو أهم، وهو ألا يزول لبنان. وأن يبقى هذا اللبنان لبناننا . ولكي يبقى لبنان لبناننا، ها نحن نقترح إطاراً لهذه المفاوضات، وموقفاً حاسماً وواضحا للبنان يرتكز على الأسس الثلاثة:
أولا: السلام.
في هذه المفاوضات لن يكون الكلام على اتفاق أمني أو العودة إلى اتفاق الهدنة. سيكون الكلام على السلام الشامل والدائم بيننا وبين إسرائيل. نحن، بكل وضوح وجرأة، ومن دون تردد، نريد السلام. كفى حروبا. لقد شبعت الأرض دماء، وشبعت السماء ضجيجا. ضجيج الثورات والشعارات الفارغة. فكل الثورات والشعارات في سبيل تحرير فلسطين لم تؤد إلى الفشل فقط، بل أدت أيضا إلى تدمير ما تبقى من فلسطين وتدمير لبنان . ها قد حان وقت العودة إلى العقل . يبقى “العقل هو الإمام”. ها قد انتفض لبنان، انتفض على الموت. انه يريد الحياة. يريد السلام. يريد السلام ذاته الذي صنعته دول عربية أخرى كمصر والأردن . ولماذا لا يحق للبنان ما يحق لمصر والأردن؟ ولماذا فرض على لبنان، هذا البلد الصغير، أن يلتزم وحده “النضال” لتحرير فلسطين؟ كان ذلك بسبب ضعف الحكم في لبنان ولأن لبنان لم يكن دولة بقدر ما كان إدارة فاسدة لدول الطوائف. ويتكلمون عن الإجماع. وهل كان هناك إجماع في مصر والأردن عندما قررا السلام مع إسرائيل؟ إن القرارات المصيرية والتاريخية تتطلب قيادات سياسية حكيمة وشجاعة. قلما يقود الإجماع إلى شيء عظيم. العظمة تتطلب قادة.
ثانيا: نزع السلاح.
نقطتان أساسيتان في مفهوم نزع السلاح. الأولى هي أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها نزعه. لقد ملأت المقاومة الإسلامية لبنان، فوق الأرض وتحتها، بترسانات للسلاح. وها هي إسرائيل بقوتها وجبرؤتها تحاول تدمير هذا السلاح. فهل نجحت؟ أن نزع السلاح يتطلب بالإضافة إلى القوة قرارا سياسيا يتخذ في طهران لا في الضاحية الجنوبية لبيروت. والنقطة الثانية. تعالوا نفترض أننا تمكنا اليوم من نزع سلاح حزب الله بالكامل، ولكن إيران بقيت على ما هي عليه من اصرار على التمدد في العالم العربي. تنام طهران سنة، سنتين، وثلاثاً. بعدها قد تتغير الدنيا، وتتغير أمريكا، فتعود إيران إلى ماضيها ويعود السلاح يتدفق إلى لبنان. ونعود نحن إلى المربع الأول. إن نزع السلاح يتطلب عملا دبلوماسيا يفرض على إيران تجفيف المال والسلاح إلى جميع الأذرع العسكرية في الشرق، وبالأخص إلى حزب الله في لبنان. من أجل ذلك نقترح على الوفد اللبناني المفاوض أن يطلب من الولايات المتحدة، راعية هذه المفاوضات، إدراج بند في الاتفاق الذي ستعقده مع إيران بوقف كل أنواع الدعم، العسكري منها والمالي، لحزب الله وللحوثيين وللحشد الشعبي في العراق، وإلى حماس والجهاد الإسلامي. وإن لم يتم ذلك، فعبثا يحاول لبنان الوصول إلى السلام والاستقرار. إن معاهدة سلام مع إسرائيل وحدها دون تحقيق هذا الهدف لا يؤمن استقلال لبنان وسيادته.
ثالثا: معاهدة دفاع مشتركة بين لبنان والولايات المتحدة.
وإن توصلنا إلى عقد اتفاق سلام مع إسرائيل، فمن يضمن ديمومة هذا السلام؟ نحن نعرف أن إسرائيل لا تحترم الشرعية الدولية، وهي تحتفظ دائما بالحق لاستعمال القوة العسكرية عندما تشعر بأن أمنها مهدد. وليس غريبا عنها أن تختلق اسبابا للاعتداء على لبنان . فمن يمكنه لجمها؟ ومن يمكنه أن يفرض عليها الالتزام بالسلام؟ وحدها أمريكا قادرة على ذلك . لذلك نقترح على الوفد اللبناني الطلب من الأمريكيين عقد معاهدة دفاع مشتركة معنا . ألم يقترح السيناتور الاميركي Graham Lindsey عندما زار لبنان واجتمع مع رئيس الجمهورية عقد معاهدة دفاع مشتركة؟ لربما كان الحكم يومها غير قادر على اتخاذ قرار كهذا. ولكن اليوم، لقد حان هذا الوقت.
كانت القضية المحورية في الحرب على لبنان، والحرب على إيران، واحدة: الأمن. وليس هناك من شك أن النظام السياسي – الديني الذي رسخته الثورة الإيرانية الإسلامية يشكل تهديدا كبيرا للسلام والاستقرار في الشرق. ولكن هذا ليس الخطر الوحيد لهذا النظام. فهناك خطر آخر، ولربما يكون خطرا أكبر، وهو الخطر على الحضارة. هذا النظام الايراني يعتنق أيدولوجيا غريبة لم يشهد مثلها العالم. أيدولوجيا تؤمن بأن الموت أهم من الحياة، وبان الإنسان يولد لكي يموت شهيدا. ايدولوجيا تعتنق حضارة آحادية معادية لحضارات العالم. حضارة لا تحترم الآخر ولا تصغي للرأي المختلف. حضارة لا تؤمن بالحوار بل تؤمن بقتل كل من يجرؤ على الاختلاف معها. حضارة هي نقيض حضارة لبنان. وكم فخور أنا بأنني ابن حضارة لبنان. الحضارة التعددية وحضارة معانقة الآخر ومعانقة الأديان. “أنا أؤمن باله واحد آب ضابط الكل” وبأن البشر جميعا هم أبناء الله. فليس لله أبناء له وأبناء لغيره. كما أنه ليس لله “حزب” يدافع عنه أو “شعب مختار” يحبه أكثر من غيره من الشعوب.
لقد أعطانا الله الحياة لنمجده. ويداه صنعتا لبنان ليحيا لا ليموت.





