المصدر: اندبندنت عربية
في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية اللبنانية -الإيرانية، أودعت وزارة الخارجية اللبنانية والمغتربين بتاريخ 21 أبريل (نيسان) 2026 رسالة رسمية موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وإلى رئيس مجلس الأمن الدولي، تتضمن شكوى رسمية من لبنان ضد إيران، وتطعن في صحة الروايات الإيرانية المقدَّمة أمام الأمم المتحدة، وتوثق جملة من الانتهاكات الصريحة التي ارتكبتها سفارة طهران لدى بيروت بحق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961.
وتنص الشكوى الذي تقدم بها السفير اللبناني لدى الامم المتحدة أحمد عرفة في مضمونها الذي اطلعت عليه “اندبندنت عربية” بشكل خاص على “حق لبنان في المطالبة بأعمال المسؤولية الدولية لإيران وتحميلها النتائج المترتبة على خرقها المتكرر لالتزاماتها الدولية، وذلك بناء على تصرفاتها المخالفة لكل الأعراف والقواعد الدولية، وتوريط لبنان في حروب مدمرة خلافاً لإرادة مؤسساته الدستورية. وحملت الشكوى اللبنانية الأجهزة الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري، بالقيام بأفعال غير مشروعة، في تحد صارخ لقرارات الحكومة اللبنانية، وبإدخال لبنان في حرب مدمرة أدت إلى مقتل وجرح آلاف اللبنانيين، وتهجير أكثر من مليون مواطن، وإلحاق خسائر مادية لا تضاهى واحتلال إسرائيل أجزاء من الأراضي اللبنانية وإقامة أحزمة أمنية”.
إيران وإسرائيل في مجلس الأمن
تكتسب هذه الشكوى ضد إيران أهمية مضاعفة في ضوء السياسة الخارجية التي تتبعها وزارة الخارجية الحالية من جهة والسياق الأوسع للدبلوماسية اللبنانية أمام مجلس الأمن من جهة أخرى. فمنذ اندلاع حرب إسناد “إيران” في الثاني من مارس (آذار) الماضي وقبلها خلال حرب إسناد غزة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، لم يتوقف لبنان عن توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في سلسلة شكاوى رفعتها وزارة الخارجية اللبنانية ضد إسرائيل إلى مجلس الأمن وقد بلغ عدد الشكاوى في الأشهر الأربعة الأخيرة فقط 10.
وإضافة إلى الشكاوى الشهرية الخاصة بالانتهاكات، رفع لبنان شكوى ضد إسرائيل حول الاعتداءات الإسرائيلية على الصليب الأحمر والمسعفين والإعلاميين وشكوى تتعلق بتصريحات وزيري المال والدفاع الإسرائيليين حول ضم لبنان إلى إسرائيل، وشكوى ضد عمليات الجرف للقرى الجنوبية ومصادرة الأراضي. ومن ثم فإن الدبلوماسية اللبنانية باتت في موقع الشاكي على جبهتين في آن واحد في سابقة من نوعها، ضد الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة والأرض وضد التدخل الإيراني في القرار السيادي اللبناني وتوريط الدولة في حرب لم تخترها.
ماذا في الشكوى ضد إيران؟
“الرسالة الشكوى” تحولت إلى وثيقة من وثائق الجمعية العامة ومجلس الأمن ونُشرت على موقع الأمم المتحدة المخصص للوثائق تحت الرقم S/2026/343. وترتكز على ثلاثة محاور رئيسة، تصحيح الرواية الإيرانية “المزورة” أمام الأمم المتحدة، انتهاك المادة العاشرة من اتفاقية فيينا وتوظيف الغطاء الدبلوماسي للعمل العسكري.
وفي التفاصيل التي حصلت عليها “اندبندنت عربية” بصورة خاصة، فإنه في مضمون الشكوى تنفي وزارة الخارجية اللبنانية ما ادعته رسالة المندوب الإيراني الدائم لدى الأمم المتحدة سعيد إيرواني التي أرسلها في 10 مارس (آذار) الماضي، حول إبلاغ السفارة الإيرانية الوزارة في لبنان بانتقال أربعة دبلوماسيين من مقر إقامتهم إلى فندق رامادا في العاصمة بيروت قبيل اغتيالهم بغارة إسرائيلية في السابع من الشهر نفسه، ونفت الوزارة اللبنانية أيضاً أن تكون السفارة الإيرانية قد نسقت معها بهذا الخصوص. مستندة إلى مذكرة من سفارة إيران مرسلة إلى وزارة الخارجية والمغتربين بتاريخ 16 مارس الماضي اعترفت فيها أنه “لم تسنح الفرصة للتواصل مع وزارة الخارجية وإبلاغها”، مما يتناقض تناقضاً صريحاً مع ما أبلغته بعثة إيران إلى الأمم المتحدة في نيويورك.
وفي نص الشكوى أيضاً إغفال السفارة الإيرانية عن إبلاغ وزارة الخارجية اللبنانية عن شخصين في عداد الدبلوماسيين الستة الذين قتلوا، وهما أحمد رسولي وأمير مرادي، خلافاً لما تنص عليه صراحة المادة 10 من اتفاقية فيينا التي تلزم البعثات الدبلوماسية بإبلاغ وزارة الخارجية المضيفة بتعيين أعضائها وأوضاعهم. وقد طالبت الوزارة على أثر ذلك السفارة الإيرانية مرتين بتزويدها بقائمة محدثة بأسماء الدبلوماسيين العاملين لديها، من دون أن تتلقى رداً حتى تاريخ الشكوى.
وتتناول الشكوى أيضاً ما نشرته وسائل إعلام إيرانية، من أن الدبلوماسيين الإيرانيين الستة هم في الواقع أعضاء في الحرس الثوري الإيراني، وبأنه جرى تداول صورهم بالزي العسكري مع شاراتهم ورتبهم. وهو ما عده لبنان انتهاكاً للمادة 41 من اتفاقية فيينا التي توجب على أعضاء البعثات الدبلوماسية احترام قوانين الدولة المضيفة والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية وكذلك انتهاكاً للفقرة الثالثة من المادة ذاتها التي تنص على ألا تستعمل مباني البعثة في أغراض تتنافى مع أعمال البعثة الدبلوماسية.
التدخل الإيراني في حرب لم يخترها لبنان
تذهب الشكوى اللبنانية إلى أبعد من توثيق الانتهاكات الإجرائية من قبل الجانب الإيراني، لترسم صورة شاملة للتدخل الإيراني في القرار السيادي اللبناني. فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني، بتاريخ 11 مارس الماضي تنفيذ أول هجوم مشترك ومنسق مع “حزب الله” منذ اندلاع الحرب الأخيرة مستخدماً مزيجاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف أكثر من 50 موقعاً داخل إسرائيل، وذلك في اليوم التالي لقرار الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب.
وأسفر هذا التدخل، وفق الوثيقة اللبنانية، عن مقتل وجرح آلاف اللبنانيين، وتهجير أكثر من مليون مواطن، وتدمير عشرات القرى والبلدات، فضلاً عن احتلال إسرائيل أجزاء من الأراضي اللبنانية وإقامة أحزمة أمنية.
وتستند شكوى لبنان ضد إيران أيضاً إلى تحدي طهران لقرار الدولة اللبنانية بطرد السفير الإيراني المعين محمد رضا رؤوف شيباني واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه وعدم الامتثال إلى طلب مغادرته الأراضي اللبنانية قبل29 مارس الماضي. وكانت وزارة الخارجية اللبنانية اعتبرت أن تصرفات السفير الإيراني تشكل انتهاكاً صريحاً لأحكام اتفاقية فيينا، إن من خلال إدلائه قبل تقديم أوراق اعتماده بتصريحات لوسائل إعلامية، التي اعتبرت تدخلاً في إدارة شؤون لبنان الداخلية، أو من خلال رفضه الامتثال إلى قرار الدولة المضيفة وعدم المغادرة.
ماذا يستفيد لبنان من الشكاوى المُقدَّمة إلى مجلس الأمن؟
لا تنتظر بيروت من الشكاوى المقدمة أمام مجلس الأمن الدولي صدور قرارات ملزمة إن بحق إسرائيل أو بحق إيران، إذ تحول دون ذلك حقوق النقض (الفيتو) التي تتمتع بها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. غير أن الرهان اللبناني يتجاوز التصويت إلى ما هو أعمق وأبعد أثراً.
يقول المندوب المناوب السابق للولايات المتحدة الأميركية في الجمعية العامة للأمم المتحدة السفير وليد معلوف، “قد لا تؤدي هذه الشكاوى إلى نتائج عملية، إلا أنها تثبت سيادة الدولة في قرارها من خلال موقف سياسي تعبر فيه أنها لا تخاف من تل أبيب وطهران وأنها تنظر إليهما بالتساوي لجهة تحميلهما مسؤولية ما يعاني منه لبنان. ويشرح أن الشكوى ضد إسرائيل توثّق الانتهاكات في سجلات أممية دائمة تُشكل رصيداً قانونياً لا يُهمَل في أي تسوية مستقبلية، فضلاً عن إحراج الدول الحليفة لإسرائيل دبلوماسياً وتعزيز الموقف التفاوضي اللبناني في ملفَّي الانسحاب والترسيم.
ويعد في المقابل أن الشكوى ضد إيران تؤدي وظيفة استراتيجية مختلفة ولكنها مكملة، إذ ترسخ السردية اللبنانية القائلة إن “حزب الله” أداة في يد طهران لا حركة وطنية لبنانية، وتجسّد رسالة سيادية صريحة تميز لبنان عن “محور الممانعة” وتفتح الباب أمام الدعم الغربي والخليجي لإعادة الإعمار ونزع السلاح.
ويضيف “الأهم من ذلك كله أن هاتين الشكويين تُمهدان الطريق أمام لبنان للسير في مسار قانوني دولي لمطالبة إسرائيل وإيران معاً بالتعويض الكامل عن كل الأضرار التي لحقت بالأرض والإنسان. فإسرائيل مسؤولة عن الدمار الميداني المباشر الذي طال القرى والبنية التحتية وأودى بالمدنيين، وإيران مسؤولة بالتبعية عن تمويل الحرب وإشعالها عبر “وكيلها” المسلح. وتوثيق هذه المسؤولية المزدوجة أمام الأمم المتحدة هو الخطوة الأولى الضرورية لأي مسار تعويضي جدي. وهكذا تتكامل الشكويان في استراتيجية واحدة متماسكة: توثيق العدوان الخارجي من جهة، وتعرية الوصاية الإيرانية من جهة أخرى، في مسعى لبناني لاسترداد زمام القرار الوطني واسترداد حق الشعب اللبناني في التعويض العادل عمّا لحق به من خراب.
خسائر أكبر من أن تتحملها الدولة اللبنانية
في المقابل يؤكد معلوف أن خسائر لبنان البشرية والمادية جراء حربي الإسناد والمواجهات بين إسرائيل و”حزب الله” أكبر من أن تتحملها الدولة اللبنانية، والشكاوى على إسرائيل وإيران قد تساعد لبنان على مطالبتهما بدفع التعويضات.
الشكوى إلى مجلس الأمن ليست بالضرورة لكسب تصويت، بل هي في جوهرها، أداة دبلوماسية لبناء السردية اللبنانية أمام العالم، وتوثيق الموقف القانوني، وإحراج الأطراف المعتدية سياسياً حتى في غياب أي قرار ملزم. ولا شك أن توجيه لبنان شكوى رسمية ضد إيران إلى الأمم المتحدة يشكل حدثاً دبلوماسياً استثنائياً يتجاوز في أثره مجرد توثيق الانتهاكات.
وهنا يرى معلوف أنه على الصعيد القانوني، يُرسي هذا الإجراء سجلاً أممياً رسمياً يمكن الاستناد إليه مستقبلاً في أي مسار تحكيمي أو قانوني دولي، ويفتح الباب أمام تفعيل أحكام مسؤولية الدول في القانون الدولي العرفي وما نص عليه مشروع لجنة القانون الدولي لعام 2001، أما على الصعيد السياسي، فترسل هذه الشكوى رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن لبنان الجديد لم يعد مستعداً للقبول بمنطق الوصاية أو التغاضي عن الخروق باسم الشراكة الاستراتيجية، كما تُعزز مصداقية الحكومة اللبنانية على الصعيد الدولي في مساعيها لاستعادة السيادة الكاملة على قرارها الأمني وأرضها.




