وصل سفير المملكة العربية السعودية الجديد لدى لبنان فهد الدوسري إلى مطار رفيق الحريري الدولي، لتسلّم مهامه الدبلوماسية في بيروت، في محطة تحمل دلالات سياسية واقتصادية لافتة، وتأتي في توقيت يشهد زخماً متجدداً في العلاقات اللبنانية ـ السعودية.
وكان في استقبال الدوسري في المطار ممثل وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية السفير علي حبحب، تمهيداً لبدء مهامه الرسمية في لبنان خلال المرحلة المقبلة.
ويكتسب وصول السفير السعودي الجديد أهمية خاصة، نظراً إلى أنه يتزامن مع قرار المملكة العربية السعودية استئناف استيراد الصادرات اللبنانية، وهو قرار وصفته الأوساط اللبنانية بأنه تاريخي، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد اللبناني والقطاعات الإنتاجية، وخصوصاً الصناعة والزراعة والتصدير والنقل.
وكان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام قد تلقى اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، نقل خلاله توجيه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة، بناءً على طلب رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام.
وأوضحت المملكة أن القرار جاء استناداً إلى الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في إطار إعادة بناء مؤسسات الدولة، وما أنجزته الفرق المختصة خلال العام الماضي، إلى جانب التعاون الذي أبداه الجانب اللبناني وتقديمه التعهدات المطلوبة، بما يضمن عدم استخدام الأراضي اللبنانية للإضرار بالأشقاء.
وشكل القرار السعودي مؤشراً واضحاً إلى بدء استعادة الثقة بلبنان ومؤسساته، ورسالة دعم مباشرة لمسار النهوض الاقتصادي، بعدما تضررت حركة التصدير خلال السنوات الماضية بفعل الأزمات السياسية والأمنية، وما رافقها من ملفات مرتبطة بالتهريب وضبط المعابر والمعايير الرقابية.
وفي المواقف اللبنانية، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية يمثل قراراً تاريخياً، مثمناً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هذه الخطوة، ومؤكداً أنها تعزز فرص النمو والاستقرار وتفتح آفاقاً جديدة أمام المنتجين والمصدرين اللبنانيين.
كما أكد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار أن لبنان اتخذ إجراءات لضبط المعابر الحدودية ومكافحة شبكات التهريب، مشيراً إلى وجود تنسيق مستمر مع المملكة في هذا المجال، بما يعزز ثقة الرياض بمؤسسات الدولة اللبنانية وقدرتها على الالتزام بالمعايير المطلوبة.
بدوره، اعتبر وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أن استئناف الصادرات إلى السوق السعودية يشكل دعماً مباشراً للاقتصاد اللبناني والقطاعات الإنتاجية، كما يعزز حركة الشحن والنقل عبر المعابر والمرافئ اللبنانية، مؤكداً استمرار العمل لضمان أعلى معايير الرقابة في عمليات الشحن والتصدير.
أما وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، فوصف القرار بأنه صفحة مشرقة على طريق استعادة الثقة بالدولة اللبنانية، فيما رأى وزير الصناعة جو عيسى الخوري أن عودة المنتجات اللبنانية إلى السوق السعودية تعيد الأمل بصناعة لبنانية أكثر حضوراً في محيطها العربي، وتضع المنتج اللبناني أمام مسؤولية الحفاظ على الجودة والالتزام والمعايير.
ومن هنا، لا يأتي وصول السفير فهد الدوسري إلى بيروت كحدث بروتوكولي فحسب، بل كجزء من مسار أوسع لإعادة تفعيل العلاقة بين لبنان والمملكة، في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى دعم عربي مباشر، وإلى استعادة موقعه الاقتصادي والتجاري في الأسواق الخليجية، وفي مقدمها السوق السعودية التي طالما شكلت متنفساً أساسياً للقطاعات اللبنانية المنتجة.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة التعهدات إلى إجراءات ثابتة ومستدامة، سواء عبر ضبط الحدود والمعابر، أو حماية سمعة الصادرات اللبنانية، أو تعزيز الثقة بالمؤسسات الرسمية. فقرار الرياض فتح الباب، لكن الحفاظ على هذا الباب مفتوحاً يتطلب التزاماً لبنانياً دائماً بالرقابة، وبالشراكة المسؤولة، وبمنع أي تكرار للملفات التي أدت سابقاً إلى توتر العلاقات وتعليق الصادرات.
وفي هذا السياق، سيكون لحضور السفير السعودي الجديد في بيروت دور محوري في مواكبة هذه المرحلة، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين البلدين، بما يرسخ عودة المملكة إلى موقع داعم لاستقرار لبنان وسيادته وتعافيه الاقتصادي.

