المصدر: أساس ميديا
تقول مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” إنّ عدداً من العواصم الغربيّة يضع احتمال التصعيد العسكريّ خلال الخريف ضمن السيناريوات الأكثر تداولاً لأنّ العناصر التي سبقت الحربين السابقتين تكاد تتكرّر بصورة لافتة وليس لأنّ قرار الحرب اتُّخذ.
لا تخفي إسرائيل أنّها تعتبر أنّها تترقّب تنفيذ اتّفاق الإطار بالشكل المطلوب، مؤكّدة أنّها لن تنسحب بانتظار اكتمال التنفيذ، فيما يرى المجتمع الدوليّ أنّ قدرة الدولة اللبنانيّة على فرض احتكار السلاح لا تزال محدودة. وفي المقابل، لا تبدو البيئة السياسيّة الداخليّة مهيّأة لإنتاج تسوية تسمح بحلّ هذا الملفّ سريعاً، بينما يؤكّد “الحزب” في مواقفه المعلنة رفض أيّ مقاربة تقوم على فرض شروط عليه بالقوّة.
ليس هذا السيناريو الأخطر، بل أخطر ما تتحدّث عنه الكواليس الدبلوماسيّة لا يقتصر على احتمال اندلاع مواجهة عسكريّة جديدة، بل يتعلّق بطبيعة السيناريو الذي قد يسبقها أو يرافقها.
يجري في الأروقة الدبلوماسيّة كلام عن اتّجاه إسرائيليّ لإبقاء الاحتلال في الجنوب، مع استمرار الضربات العسكريّة الموضعيّة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الدوليّة على الدولة اللبنانيّة لدفعها إلى تنفيذ البنود الأمنيّة لاتّفاق الإطار بوتيرة أسرع.
في هذا السياق، تتّجه الأنظار إلى المرحلة التي يبدأ فيها الجنرال الأميركيّ جوزف كليرفيلد مهمّته، على رأس فريق من الضبّاط الأميركيّين المكلّفين الإشراف على آليّات التنفيذ والتنسيق الأمنيّ. وتؤكّد مصادر مطّلعة أنّ واشنطن تريد دوراً أكثر مباشرة في متابعة تنفيذ الالتزامات، بعدما أظهرت الأشهر الماضية محدوديّة النتائج التي تحقّقت عبر الآليّات السابقة.
يفتح هذا المسار بدوره باباً لمخاوف داخليّة واسعة. إذ ترى بعض التقديرات أنّ أخطر ما قد تواجهه البلاد ليس الحرب وحدها، بل التزامن بين استمرار العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة وبين انزلاق الداخل إلى موجة اضطرابات وفوضى سياسيّة وأمنيةّ، بما يحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لضغط مزدوج: ضغط إسرائيليّ من الجنوب، وضغط داخليّ يرهق مؤسّسات الدولة ويضعف قدرتها على إدارة الأزمة.
لهذا لا تبدو معركة الأشهر المقبلة عسكريّة فقط، بل سياسيّة أيضاً. فهي معركة تتعلّق بقدرة الدولة على إثبات أنّها قادرة على تنفيذ ما تعهّدت به، وبقدرة القوى اللبنانيّة على إنتاج مقاربة داخليّة تمنع تحويل كلّ استحقاق أمنيّ إلى مواجهة أهليّة جديدة.
إذا كان عام 2024 قد حمل حرباً تحت عنوان السلاح، وأعاد عام 2025 إنتاج الحرب تحت العنوان نفسه، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل تتجدّد الحرب في أيلول؟ بل هل نجح لبنان، خلال عامين من الدم والدمار، في إزالة الأسباب التي كانت تُستخدم لتبريرها؟
لا تعطي الوقائع الميدانيّة ولا القراءة الدبلوماسيّة جواباً مطمئناً حتّى الآن. بل على العكس، تشير معظم المؤشّرات إلى أنّ نافذة الوقت تضيق، وأنّ الخريف قد يكون بداية اختبار جديد للدولة اللبنانيّة، وللقدرة على منع انتقال البلاد من هدنة معلّقة إلى حرب ثالثة قد تكون أشدّ قسوة من كلّ ما سبق.

