على لبنان أن يعيد تعريف نفسه قبل أن يعيد بناء نفسه

0
17

على لبنان أن يعيد تعريف نفسه قبل أن يعيد بناء نفسه

على لبنان أن يعيد تعريف نفسه قبل أن يعيد بناء نفسه.

طوني نيسي

تمرّ على الأمم لحظات نادرة تتجاوز فيها الأحداث السياسية حدود الدبلوماسية التقليدية، لتصبح محطات مفصلية ترسم مسار الدولة لعقود قادمة، وتحدد مكانتها بين الأمم، وتؤثر في مستقبل أجيال بأكملها. وأعتقد أن لبنان يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات التاريخية الفاصلة. فالحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل لم تكن مجرد مواجهة عسكرية جديدة في منطقة اعتادت الصراعات، بل كشفت مرة أخرى هشاشة بنية الدولة اللبنانية، وأظهرت الكلفة الباهظة لاستمرار الانقسام في القرار الوطني، وأكدت أن أي دولة لا تستطيع أن تحقق استقراراً دائماً أو ازدهاراً اقتصادياً أو سلاماً مستداماً ما لم تمتلك أولاً رؤية وطنية واضحة، تستند إلى السيادة الكاملة، والشرعية الدستورية، ومؤسسات عامة قوية وقادرة على أداء دورها.

لقد تعامل لبنان، على مدى عقود، مع كل أزمة وكأنها حدث منفصل يحتاج إلى تسوية سياسية مؤقتة أو إلى مؤتمر دولي جديد أو إلى حزمة مساعدات مالية عاجلة، فيما بقي السؤال الجوهري غائباً عن النقاش الوطني: أي دولة يريد اللبنانيون أن يبنوا؟ لقد تعاقبت الحكومات، وتبدلت التحالفات، وعُقدت المؤتمرات، ووُعد لبنان بمليارات الدولارات، إلا أن الأزمات كانت تعود بصورة أشد تعقيداً، لأننا انشغلنا دائماً بمعالجة النتائج، وتجنبنا معالجة الأسباب. ناقشنا تشكيل الحكومات قبل أن نحدد شكل الدولة، وتقاسمنا السلطة قبل أن نرسخ السيادة، وسعينا إلى النهوض الاقتصادي قبل أن نستعيد ثقة المواطنين بمؤسساتهم، وطلبنا الدعم الخارجي قبل أن نتفق نحن اللبنانيين على مشروع وطني جامع يحدد هوية الجمهورية ويبين الاتجاه الذي يجب أن تسير فيه.

ومن هنا، فإن اللقاء المرتقب بين فخامة الرئيس العماد جوزاف عون وفخامة الرئيس دونالد ترامب لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مجرد اجتماع بروتوكولي بين رئيسي دولتين، ولا أن يُقاس بعدد الاتفاقيات التي قد تُوقع أو الصور التي ستُلتقط أو البيانات التي ستصدر عقب انتهائه. إن القيمة الحقيقية لهذا اللقاء تكمن في كونه فرصة تاريخية يستطيع لبنان من خلالها أن يقدم نفسه إلى الولايات المتحدة، وإلى المجتمع الدولي بأسره، لا بوصفه دولة تبحث عن إنقاذ مؤقت، بل بوصفه دولة قررت أن تعيد تعريف نفسها قبل أن تطلب من العالم مساعدتها على إعادة بنائها. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى شرح جديد للأزمات اللبنانية، فهي تعرفها جيداً، كما يعرفها المستثمرون وصناع القرار والمؤسسات الدولية. أما ما يحتاج العالم إلى معرفته اليوم فهو ما إذا كان لبنان قد حسم خياره أخيراً، ووضع لنفسه رؤية وطنية متماسكة، قادرة على تحويل الإرادة السياسية إلى إصلاح مؤسسي، والطموح الوطني إلى مشروع تنموي مستدام.

ولهذا، يجب أن يبدأ الحوار في واشنطن من لبنان نفسه، لا من المساعدات المالية، ولا من برامج إعادة الإعمار، ولا من الدعم العسكري، ولا حتى من الصراعات الإقليمية. ينبغي أن يبدأ من المبادئ التي سيُبنى عليها لبنان الجديد. فكل دولة ناجحة في التاريخ بدأت بفكرة، ثم تحولت تلك الفكرة إلى مؤسسات، ثم أصبحت المؤسسات قادرة على إنتاج السياسات العامة التي تحقق التنمية والاستقرار. ومن هنا، يجب أن تكون السيادة حجر الأساس في المشروع الوطني اللبناني، لا باعتبارها شعاراً سياسياً يتردد في الخطب والبيانات، بل باعتبارها القدرة الفعلية للدولة اللبنانية على ممارسة سلطتها الدستورية الحصرية على كامل أراضيها، وحماية حدودها المعترف بها دولياً، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وضمان استقلال القضاء، وأن يكون قرار الحرب والسلم حكراً على المؤسسات الشرعية التي نص عليها الدستور. فحين تُمارَس السيادة فعلاً، تُستعاد الثقة، وعندما تُستعاد الثقة، يعود الاستثمار، وعندما يعود الاستثمار، يصبح النمو الاقتصادي ممكناً، وتصبح الدولة قادرة على الاحتفاظ بطاقاتها البشرية واستعادة مكانتها الطبيعية في محيطها الإقليمي والدولي.

ومن الطبيعي أن يطرح الرئيس ترامب أسئلة عملية ومباشرة حول مستقبل لبنان. هل أصبح لبنان مستعداً لتنفيذ إصلاحات حقيقية؟ وهل تستطيع مؤسساته العامة أن تستعيد مصداقيتها بعد سنوات طويلة من التراجع؟ وهل يمكن مكافحة الفساد عبر مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة؟ وهل يستطيع الجيش اللبناني أن يواصل تعزيز دوره بوصفه المؤسسة العسكرية الشرعية الوحيدة المخولة حماية الجمهورية والدفاع عنها؟ إنها أسئلة مشروعة، لكن الإجابة عنها لا تكون بالوعود، ولا بالخطابات السياسية، بل بإصلاحات قابلة للقياس، ومؤسسات شفافة، وإدارة عامة كفوءة، وقضاء مستقل، ورؤية وطنية بعيدة المدى تعيد الثقة إلى المواطنين والمستثمرين والشركاء الدوليين على حد سواء.

ولا شك أن الملف الإسرائيلي سيكون جزءاً أساسياً من الحوار، فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والتاريخ لا يمكن تجاهله. لكن مسؤولية رجال الدولة ليست الحفاظ على صراعات الأمس، بل منع حروب الغد. والسؤال الحقيقي ليس كيف ندير وقف إطلاق النار القادم، بل كيف نبني سلاماً دائماً يحمي سيادة لبنان ويمنع تكرار المواجهات العسكرية. فالسلام لا يتحقق بالردع العسكري وحده، ولا بالبيانات السياسية، وإنما يبنى على مؤسسات شرعية قوية، وحدود آمنة، ومصالح متبادلة، وتنمية اقتصادية، ودبلوماسية مسؤولة، وقيادة تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. إن هذا النهج لا ينتقص من سيادة لبنان، بل يعززها، لأنه يجعل الدولة وحدها صاحبة القرار والمسؤولية والشرعية.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز اختزال مستقبل لبنان في القضايا الأمنية وحدها، لأن أعظم ما يملكه هذا الوطن لم يكن يوماً موقعه الجغرافي، ولا ثرواته الطبيعية، ولا موارده المحتملة في البحر. إن أعظم ثروة يمتلكها لبنان كانت دائماً الإنسان اللبناني. ففي مختلف أنحاء العالم، أثبت اللبنانيون تفوقهم في الطب، والهندسة، والعلوم، والاقتصاد، وريادة الأعمال، والتعليم، والإدارة، والابتكار، بما يؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الكفاءات، بل في عجز الدولة عن بناء جمهورية تستحق هذه الكفاءات، وتوفر لها البيئة التي تدفعها إلى الاستثمار في وطنها، بدلاً من توظيف طاقاتها في خدمة اقتصادات ودول أخرى.

إن الرئيس جوزاف عون يمتلك اليوم فرصة تتجاوز بكثير بروتوكول زيارة رسمية إلى واشنطن. إنها فرصة لإقناع الولايات المتحدة والعالم بأن لبنان لم يعد يسعى إلى الانتقال من أزمة إلى أخرى، بل قرر أن يصبح دولة سيدة، مسؤولة، تنافسية، مزدهرة، تقوم على الشرعية الدستورية، ومؤسسات قوية، واقتصاد منتج، وشراكات استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل لا على التبعية الدائمة. فالتاريخ لا يتذكر الاجتماعات الدبلوماسية بما يرافقها من مراسم وصور، بل يتذكر اللحظات التي امتلك فيها القادة رؤية غيّرت مسار أوطانهم. وإذا ذهب لبنان إلى واشنطن حاملاً مثل هذه الرؤية، فقد يُسجل هذا اللقاء مستقبلاً ليس بوصفه اجتماعاً عادياً بين رئيسين، بل باعتباره اللحظة التي قرر فيها لبنان أن يعيد تعريف نفسه قبل أن يعيد بناء نفسه.