“الحزب” لن يتعهّد… حرب إسناد تطرق الأبواب

0
16

لا تكفي النيات الحسنة في السياسة عندما يكون قرار الحرب خارج الدولة. فبينما تحاول السلطة اللبنانية تثبيت مسار سياسي يفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي كامل ويمنح الجنوب فرصة لالتقاط أنفاسه، تتحرك في الكواليس معركة أكثر تعقيدًا وهي منع لبنان من التحول مجددًا إلى ساحة مواجهة إذا انفجر الاشتباك بين واشنطن وطهران. لكن، حتى الآن، تبدو كل محاولات الدولة عاجزة عن انتزاع تعهد واحد يبدد هذا القلق.

ينتظر الجنوبيين المصير الذي سيأخذهم إليه “حزب الله” مجددًا وسط ارتفاع وتيرة التصعيد. وإذا دخل “الحزب” أي حرب جديدة فستكون الفاتورة باهظة، وفي السياق، تكشف معلومات أن الدولة اللبنانية خاضت خلال الأسابيع الماضية سلسلة اتصالات بعيدة من الأضواء مع “حزب الله”. وتوزعت هذه الاتصالات بين قنوات أمنية مباشرة عبر روابط قائمة بين المؤسسات الرسمية و”الحزب”، وأخرى سياسية تولى إدارتها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي سعى إلى إقناع “الحزب” بعدم إدخال لبنان والطائفة الشيعية في حرب إسناد جديدة، بعدما دفعت البيئة الحاضنة لـ”الحزب” أثمانًا باهظة في الحرب الأخيرة، بشريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

لكن، وفق المعلومات، انتهت كل هذه المحاولات إلى النتيجة نفسها، لم يقدم “حزب الله” أي التزام، ولم يمنح الدولة أو الرئيس بري جوابًا يمكن البناء عليه. لا موافقة ولا رفض، بل إبقاء الباب مفتوحًا أمام كل الاحتمالات، انطلاقًا من قناعة راسخة داخل “الحزب” بأن قرار استخدام الجبهة الجنوبية لا يخضع لحسابات الدولة، بل لتقديراته العسكرية والسياسية عندما يرى أن التوقيت أصبح مناسبًا.

وتشير المعلومات إلى أن قيادة “حزب الله” لا تزال تعتبر أن المقاومة المسلحة هي التي حررت الأرض وفرضت معادلات الردع، وأن هذا الخيار لم يتغير رغم كل التحولات. لذلك، فإن أي مطالبة بإعطاء الأولوية للمسار السياسي أو ربط قرار الحرب بمؤسسات الدولة لا تبدل هذه القناعة، بل تُقابل بإصرار على أن السلاح سيبقى صاحب الكلمة الفصل متى استدعت الظروف ذلك.

وعندما يُطرح أمام “حزب الله” منح فرصة لصيغة الإطار، أو للمناطق النموذجية، باعتبارهما مدخلا لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الاستقرار، يأتي الرد، بحسب المعلومات، بأن الأولوية تكمن في إسقاط هذا المسار لا في حمايته. فـ”الحزب” ينظر إلى أي تفاوض مع إسرائيل بوصفه محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك على حساب مشروعه، ويعتبر أن ما بعد أي انسحاب إسرائيلي سيكون مرحلة يحدد هو بنفسه كيفية التعامل معها.

وتؤكد المعلومات أن نبيه بري بات أكثر اقتناعًا بأن هامش تأثيره على القرار الاستراتيجي لـ”حزب الله” محدود للغاية. فالرجل الذي حاول استخدام كل ما يملكه من قنوات سياسية يدرك اليوم أن القرار النهائي لا يتشكل داخل المؤسسات اللبنانية، بل يرتبط بحسابات إقليمية أوسع. لذلك، حتى لو انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية المتبقية، وحتى لو أصبح لبنان أمام فرصة فعلية للاستقرار، فإن أي قرار إيراني بإعادة فتح جبهة الجنوب سيبقى عاملا حاسمًا في تحديد وجهة الأحداث.

وفي موازاة ذلك، يعمل “حزب الله”، وفق المعلومات، على إبقاء بيئته في حالة استعداد لاحتمال عودة المواجهة. ورغم أن هذا المشهد لا يظهر بوضوح في الإعلام، فإن الأجواء داخل الشارع الشيعي أكثر توترًا مما تبدو عليه. فهناك خشية حقيقية من أن تعيد أي حرب جديدة مشاهد الدمار والتهجير إلى القرى الجنوبية والضاحية والبقاع، فيما يسعى الرئيس بري إلى احتواء أي تباينات ومنع انتقالها إلى العلن حفاظًا على تماسك البيئة السياسية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

بين دولة تحاول تثبيت مسار سياسي، وحزب يحتفظ وحده بحق تقرير الحرب، يقف لبنان مرة جديدة أمام معادلة يعرفها جيدًا. فكلما اقترب من فرصة للاستقرار، أعادته حسابات الإقليم إلى نقطة الصفر. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت حرب الإسناد الثانية ممكنة، بل ما إذا كان لبنان يملك أصلا قرار منعها إذا جاء الأمر من خارج حدوده.

(“نداء الوطن”)

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا