أعاد انفجار عبوتين ناسفتين بآليات تابعة للجيش اللبناني في جنوب لبنان، خلال أقل من 3 أسابيع، طرح تساؤلات حساسة بشأن طبيعة الحادثتين وتوقيتهما، وما إذا كانتا ناجمتين عن عبوات متبقية من فترة المواجهات، أم تشكلان رسالة متعمدة وقاتلة إلى الدولة ومؤسستها العسكرية، في مرحلة يتزايد فيها الحديث عن تنفيذ القرارات المتعلقة بحصر السلاح.
وبحسب تقرير للباحثة دانا بولاك في مركز “ألما للأبحاث والتعليم”، نُشر في 3 آب 2026، تعرضت قوات الجيش اللبناني لحادثتين منفصلتين نتيجة انفجار عبوات ناسفة قال التقرير إن حزب الله زرعها في جنوب لبنان.
ويُعرّف المركز نفسه بأنه مؤسسة بحثية إسرائيلية تتابع التحديات الأمنية على الحدود الشمالية لإسرائيل.
ووقعت الحادثة الأولى في 18 تموز في منطقة المنصوري، حيث استشهد عسكري في الجيش اللبناني وأصيب اثنان آخران إثر انفجار عبوة ناسفة. أما الحادثة الثانية، فوقعت في 2 آب في منطقة كفرا، وأسفرت عن إصابة 5 عسكريين إضافيين.
وفي الحادثتين، انفجرت العبوات لدى مرور آليات تابعة للجيش اللبناني.
ورأى التقرير أن وقوع الحادثتين على وقع التقدم في المفاوضات مع إسرائيل، والملفات المرتبطة بتنفيذ الاتفاق الإطاري المتعلق بجنوب لبنان وحصر السلاح، يطرح سؤالاً يتجاوز الجانب الميداني: هل كانت العبوات من مخلفات فترة القتال وبقيت في المنطقة، أم أنها تشكل رسالة واضحة ومتعمدة من حزب الله إلى الجيش والدولة، في المرحلة التي قد يُطلب فيها منهما مواجهة الحزب بصورة أكثر مباشرة؟
وأشار التقرير إلى أنه، إلى جانب آليات التنسيق الهادفة إلى منع الاحتكاك بين حزب الله والجيش اللبناني، تلقى الجيش تعليمات وتوجيهات من الحزب بشأن الطرق والمناطق التي يتعين عليه تجنبها، كي لا يتدخل في أنشطته، معتبراً أن ذلك يتعارض بصورة كاملة مع مهمة الجيش اللبناني بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701.
كما زعم التقرير أن حزب الله يملك متعاونين داخل الجيش اللبناني، وفي مختلف الرتب، يقدمون المساعدة لأنشطته، معتبراً أن هذه العلاقة مكّنت الحزب، على مدى سنوات، من الحفاظ على حرية تحركه في جنوب لبنان.
ورأى أن حزب الله نجح على مر السنين في الحفاظ على قوته العسكرية والسياسية داخل لبنان من خلال بناء معادلة ردع تحول دون مواجهته داخلياً، مشيراً إلى أن التهديد بانزلاق البلاد نحو حرب أهلية شكّل، ولا يزال، أحد أبرز مصادر قوة الحزب في مواجهة الدولة اللبنانية.
وانطلاقاً من ذلك، طرح التقرير احتمال ألا تكون العبوات الناسفة مجرد مخلفات للقتال بقيت في المنطقة، بل تذكيراً بأن أي محاولة لتغيير موازين القوى الداخلية في لبنان قد تترتب عليها أثمان داخلية باهظة.
ولفت إلى أن قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، الذي وصفه التقرير بأنه يتعامل بصفة “الرجل اللطيف” تجاه حزب الله، شدد هذا الأسبوع على أن الجيش لن يسمح بجر لبنان إلى حرب أهلية، وأنه سيواصل الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
غير أن هذا الموقف، وفق التقرير، يضع المؤسسة العسكرية أمام سؤال جوهري: إذا كان منع الانزلاق إلى حرب أهلية يمثل الأولوية القصوى للجيش اللبناني، فكيف سيتمكن من تنفيذ قرار الحكومة القاضي بنزع سلاح حزب الله على أرض الواقع؟
وبين هاجس الحفاظ على الاستقرار ومتطلبات حصر السلاح، تبقى حادثتا المنصوري وكفرا، وفق قراءة التقرير، مؤشراً إلى حجم التعقيدات التي قد تواجه الدولة والجيش عند الانتقال من القرارات السياسية إلى التنفيذ الميداني.

