المصدر: النهار
تجاوز سعر الدولار في إيران 200 ألف تومان، وارتفع غرام الذهب عيار 18 إلى أكثر من 22 مليون تومان، فيما امتدت طوابير البنزين أمام المحطات. هكذا دخلت العقوبات الأميركية الجديدة يوميات الإيرانيين، بعدما انعكس إعلانها سريعاً على الأسواق والقدرة الشرائية، ورفع المخاوف من موجة غلاء وركود تصل تداعياتها إلى الشارع.
وجاءت الصدمة عقب إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بدء عملية اقتصادية تستهدف مصادر إيرادات إيران وصلاتها المالية حول العالم. وشملت العقوبات نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بالبرامج النووية والصاروخية والسيبرانية وشبكات تصدير النفط.
الدولار يصعد والأسواق تفقد زبائنها
في طهران، يسابق المواطنون الوقت لحماية مدخراتهم بشراء الدولار والذهب، بينما تشكو أسواق الهواتف والسيارات وقطع الغيار من غياب الزبائن.
ويربط خبراء جزءاً من ارتفاع أسعار الذهب بصعود سعر الأونصة عالمياً، إلا أن تزامن القفزة المحلية مع إعلان الحزمة الأميركية عزز اندفاع الناس نحو الملاذات الآمنة. وتراجع مؤشر بورصة طهران بعدما سجل نمواً لافتاً خلال الأسابيع الماضية وتجاوز عتبة 6 ملايين نقطة.
وانعكس ارتفاع الدولار مباشرة على أسعار الهواتف المحمولة والمعدات الإلكترونية وقطع غيار السيارات. ودخلت هذه الأسواق في ركود حاد، فيما تُظهر صور ومقاطع ينشرها التجار متاجر شبه خالية من الزبائن.
كذلك، فاقم التأخير في تسليم السيارات المباعة مسبقاً استياء المشترين. وتعزو الشركات المستوردة المشكلة إلى الحصار البحري الأميركي وتعطل سلاسل الإمداد، فيما شهدت الأيام الأخيرة تجمعات متفرقة أمام شركات بيع السيارات.
البنزين يوقظ ذاكرة 2019
يبقى نقص البنزين الملف الأكثر حساسية. فقد أُغلقت بعض المحطات موقتاً، وسط اتهامات للحكومة بالعجز عن تأمين الكميات المطلوبة وتجنب الجهات الرسمية تقديم تفسير واضح للإغلاقات.
وتشير تقديرات صادرة عن جهة معنية بترشيد استهلاك الطاقة إلى عجز يومي يبلغ نحو 15 مليون لتر، من أصل طلب يصل إلى 135 مليون لتر.
وتراجعت الحكومة عن رفع أسعار البنزين أو تقليص الحصص المدعومة خشية اندلاع احتجاجات جديدة. ويستحضر الإيرانيون أحداث عام 2019 التي بدأت بعد زيادة مفاجئة للأسعار وأسفرت عن مقتل نحو 1500 شخص، وفق تقدير نشرته وكالة “رويترز” آنذاك.
وتتجاوز حساسية البنزين كلفته المباشرة، إذ تؤدي زيادة سعره إلى رفع نفقات النقل وأسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغط على الأسر التي تراجعت قدرتها الشرائية.

سلع موجودة وزبائن غائبون
تتوافر السلع في معظم الأسواق الإيرانية حتى الآن، وتتركز الأزمة في الغلاء وتراجع قدرة الناس على شرائها. ويخشى المواطنون أن تعمق العقوبات الجديدة هذا المسار وتحمّل حياتهم اليومية كلفة إضافية.
وبحسب وزير الاقتصاد سيد علي مدني زاده ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، استعدت الحكومة مسبقاً للحزمة الأميركية واتخذت إجراءات لتحييد آثارها. وبقيت هذه التطمينات عاجزة عن تبديد القلق، خصوصاً بعد التأخير في شحن أرصدة البطاقات الإلكترونية المخصصة لشراء السلع الأساسية خلال الشهر الماضي.
وأثار التأخير استياء الأسر المستفيدة، رغم تعهد وزير الاقتصاد باستئناف صرف الاعتمادات وزيادة قيمتها للفئات الأكثر فقراً.
خبرة طويلة في الالتفاف
تراكمت العقوبات الأميركية على إيران طوال نحو 47 عاماً، بدءاً من عام 1979، ثم اتسعت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عام 1995، قبل إقرار قانون داماتو عام 1996. واكتسبت الضغوط أبعاداً أوسع بعد انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018.
وخلال هذه العقود، طورت طهران شبكات متعددة للالتفاف على القيود، ما أفرز مفهوماً محلياً يُعرف بـ”اقتصاد العقوبات”. وينظر بعض المسؤولين إلى معارضة الصين وروسيا للحزمة الجديدة بوصفها فرصة لإبقاء قنوات التجارة والتمويل مفتوحة.
وتجنبت الولايات المتحدة حتى الآن استهداف المصارف الصينية الكبرى، تفادياً لإرباك النظام المالي العالمي. ويعزز ذلك الاعتقاد الإيراني بأن العقوبات قد تحدث تقلبات حادة على المدى القصير، ثم تتراجع فاعليتها مع اتساع طرق الالتفاف عليها.
وظهر اسم الملياردير الإيراني بابك زنجاني مجدداً في هذا السياق. ويعتقد ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي أن عودته إلى المشهد العام خلال الأشهر الأخيرة تعكس استعداد الدولة للاستعانة بشبكات سبق أن استخدمتها في بيع النفط ونقل الأموال تحت العقوبات.
وفي تقدير تريتا بارسي، نائب رئيس “معهد كوينسي”، أثبتت التجارب السابقة قدرة الضغط الاقتصادي على إحداث معاناة واسعة، فيما بقيت ترجمته إلى تغيير في سياسة طهران مهمة أخفقت فيها واشنطن غالباً.
متى ينتقل القلق إلى الشارع؟
تتزايد التوقعات بأن يقود التهاب الأسواق إلى إضرابات أو تحركات احتجاجية جديدة. وفي مؤشر إلى حساسية السلطات، حذّر قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان من مساعٍ خارجية لاستغلال الأزمات المعيشية والبنزين والبطالة لإثارة اضطرابات في البلاد.
وتظهر منشورات الإيرانيين عبر شبكات التواصل مزيجاً من القلق والغضب. ويعتبر بعضهم أن جرح العقوبات يرافق المجتمع منذ سنوات، وأن تشديدها سيضيف مزيداً من الألم من دون تغيير سلوك السلطة. ويشير آخرون إلى اتساع الفجوة بين التطمينات الرسمية وما يلمسونه يومياً في الأسواق.
ومن طهران، تُقرأ الحزمة الأميركية الجديدة بوصفها تقويضاً عملياً لمذكرة إسلام آباد وتراجعاً عن المسار التفاوضي. وفي قراءة محللين إيرانيين، تراهن واشنطن على تحويل الضغوط الاقتصادية إلى استياء اجتماعي يضعف موقف السلطة ويدفعها إلى تقديم تنازلات.
وتشير التجارب السابقة إلى أن اتساع المعاناة لا يضمن تغيير قرار طهران. وقد تحمل العقوبات الإيرانيين إلى مزيد من الغلاء والركود، فيما تبقى قدرتها على إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات موضع شك.

