أكد وزير المهجرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الدكتور كمال شحادة أن لبنان على سكة التعافي، ويتقدّم بثبات على ثلاثة محاور أساسية هي بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، والمضي في مسار الإصلاح المالي والاقتصادي، وتثبيت سيادة القانون، معتبراً أن هذه المسارات تشكّل الأساس لخلق بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار، وتحويل الفرص إلى مشاريع وشراكات مستدامة.
كلام شحادة جاء خلال الملتقى الاقتصادي اللبناني-الإماراتي، حيث رحّب بالوفد الإماراتي، مؤكداً أن وجوده في لبنان يشكل فرصة لفتح صفحة جديدة في الشراكة بين البلدين، تقوم على الاستثمار والتكنولوجيا والابتكار وبناء اقتصاد رقمي مشترك.
وأشار شحادة إلى أن دولة الإمارات رسّخت موقعها كقوة عالمية في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، لافتاً إلى أن التجربة الإماراتية لا تقتصر على تبنّي التكنولوجيا واستخدامها، بل انتقلت إلى تطويرها وتحسينها وتصديرها إلى العالم.
ولفت إلى أهمية النموذج الإماراتي في العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص، حيث أدخلت الحكومة التكنولوجيا وممارسات القطاع الخاص إلى صميم عملها، من خلال الخدمات الرقمية المتكاملة والإدارة القائمة على مؤشرات الأداء والقياس المستمر، معتبراً أن هذه العلاقة التكاملية بين حكومة ممكّنة وقطاع خاص مبادر هي من أبرز عناصر النموذج الإماراتي الذي يطمح لبنان إلى البناء عليه.
وفي المقابل، شدد شحادة على أن لبنان يمتلك طاقات بشرية استثنائية من مهندسين ومطورين ورواد أعمال وباحثين ومبتكرين، إضافة إلى جامعات عريقة وقطاع خاص يتمتع بقدرة كبيرة على الابتكار والتوسع خارج الحدود.
وقال: “ما نريده هو شراكة ندّية لمصلحة الطرفين، ويبني فيها كل طرف على نقاط قوة الآخر”، مضيفاً أن لبنان يريد فتح أسواق جديدة أمام شركاته ومواهبه، وفي الوقت نفسه خلق فرص جديدة أمام الشركات والاستثمارات الإماراتية في لبنان والمنطقة.
كما أوضح أن طموح لبنان يتجاوز مجموعة من المشاريع المنفصلة، وقال: «طموحنا أن نجمع قدراتنا لكي ننجز معاً ما يصعب على أي منا إنجازه منفرداً»، مؤكداً أن جمع مقومات البلدين يمكن أن يؤدي إلى بناء شركات ومنتجات وخدمات قادرة ليس فقط على المنافسة في الأسواق المحلية، بل على المنافسة في الأسواق العالمية.
وشدد شحادة على أن الصناعات التكنولوجية لا تعرف حدوداً جغرافية، وأن لبنان يتطلع تدريجياً إلى بناء سوق رقمية مشتركة مع الإمارات، تحكمها قواعد ومعايير متناسقة، بما يسهل عمل الشركات والاستثمارات والخدمات الرقمية وانتقال البيانات والمواهب بين البلدين.
وأضاف أن لبنان يتطلع، أبعد من ذلك، إلى بناء شراكة تشكل نموذجاً يُحتذى به إقليمياً، وتفتح الطريق أمام إنشاء سوق موحّدة للخدمات الرقمية.
وفي ما يتعلق بمجالات التعاون العملي، أشار شحادة إلى إمكانات كبيرة للعمل مع الشركات الإماراتية في الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والهوية الرقمية، والمدفوعات الرقمية، والأمن السيبراني والثقة الرقمية، إضافة إلى تطوير نماذج لغوية كبيرة وصغيرة متخصصة في قطاعات مثل الصحة والقانون والمال والإدارة.
كما تحدث عن فرص إنشاء مشاريع مشتركة بين القطاعين الخاصين اللبناني والإماراتي في مجالات الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية، والصناعات الدوائية، والصناعات الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، والقانون، والأمن السيبراني والثقة الرقمية، مؤكداً أن الهدف هو تحويل التكنولوجيا إلى شركات واستثمارات وفرص عمل وصادرات.
وتطرق شحادة إلى عدد من المشاريع الوطنية التي يمكن أن تشكل فرصاً للاستثمار والتعاون مع الشركات الإماراتية، وفي مقدمتها البنية التحتية الرقمية الوطنية (National Digital Infrastructure)، وLebanon Pass، والهوية الرقمية (Digital ID)، ومنصة المدفوعات الرقمية الموحدة (Unified Digital Payments Platform)، ومراكز البيانات (Data Centers)، إضافة إلى العمل على رقمنة الدفعة الأولى من الخدمات الحكومية.
وأكد أن هذه المشاريع تهدف إلى جعل الإدارة العامة أسرع وأكثر كفاءة، وتسهيل الخدمات الحكومية للمواطنين والشركات، إلى جانب بناء قدرات لبنان في مجال الذكاء الاصطناعي وحماية بياناته وخدماته الحيوية.
وفي ختام كلمته، شدد شحادة على أن لبنان لا يريد أن تكون العلاقة مع الإمارات مجرد علاقة بين حكومتين، بل يريد بناء منظومة تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمستثمرين والجامعات ورواد الأعمال والمواهب في البلدين.
وقال إن المطلوب هو الانتقال من الاتفاقات العامة إلى مشاريع يمكن تنفيذها وتمويلها وقياس نتائجها وتوسيعها إلى أسواق أخرى، مؤكداً أن “لبنان لا يريد فقط أن يستورد التكنولوجيا، بل أن يبني ويبتكر ويصدّر”.
وشكر شحادة دولة الإمارات على دعمها المستمر للبنان وعلى وقوفها إلى جانب الشعب اللبناني، كما ثمّن استضافتها الكريمة للجالية اللبنانية، مؤكداً أن «ما نريده اليوم يتجاوز الدعم»، وأن الطموح هو بناء شراكة يستفيد فيها كل طرف من نقاط قوة الآخر، وتكون فيها الفرص أكبر للبنان والإمارات والمنطقة.
وختم بالقول إن زيارة الوفد الإماراتي يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تنتقل فيها العلاقة بين البلدين من التعاون العام إلى مشاريع محددة واستثمارات فعلية وشراكات قابلة للتنفيذ والقياس، بما يساهم في بناء اقتصاد رقمي أكثر تكاملاً بين لبنان والإمارات.

