المناسبة الأليمة تستعيد هذا العام زخمًا إضافيًا في ضوء الرواية التي قدّمها الباحث والمؤرّخ والإعلامي العراقي د. حميد عبد الله في برنامج “تلك الأيام”، والتي تتضمّن تفاصيل شديدة الخطورة عن الساعات الأخيرة للإمام الصدر ورفيقيه في ليبيا، وصولا إلى الحديث عن وثائق يُفترض أنها لا تزال موجودة في العراق. وتستند الرواية بشكل أساسي إلى معلومات حصلت عليها المخابرات العراقية من مصدر أمني ليبي كان على صلة مباشرة بدوائر نظام القذّافي.
بحسب عبد الله، بدأ الخيط بعقيد ليبي سابق وبعثي يُدعى سليم الحجاني، طلب اللجوء السياسي إلى بغداد وأبلغ المخابرات العراقية بأن مسؤولا مهمًا في جهاز الأمن الخارجي الليبي، هو محمد أحمد العدّال لديه معلومات مهمّة عن نظام القذافي. وبناء على ذلك، رُتّب لقاء بين العدّال وضباط عراقيين في السفارة العراقية في تونس، قبل أن يتحوّل الرجل، وفق الرواية، إلى مصدر للمخابرات العراقية ويزوّدها بمعلومات مختلفة، من بينها ما يتصل بقضية موسى الصدر. ويقول د. عبد الله إن العدّال استقى تفاصيل القضية من إحدى مرافقات القذافي شخصيًّا.
أما خلفية الخلاف، فتعود، وفق رواية برنامج “تلك الأيام”، إلى مرحلة كان فيها نظام القذافي يقدّم دعمًا ماليًا لعدد من التنظيمات في لبنان خلال الحرب الأهلية، ومنها حركة “أمل”، في الوقت الذي كان القذّافي يسعى إلى نشر “الكتاب الأخضر” والترويج له خارج ليبيا. فأُرسلت نسخ من الكتاب إلى لبنان، واطّلع موسى الصدر على إحداها.
وتشير الرواية إلى أن الصدر لم يُعجب بما قرأه، بل وصف الكتاب، في حديث داخلي، بأنه “تافه”، ووصف صاحبه بـ”المعتوه”. غير أن المخابرات الليبية، التي كانت تخترق حركة “أمل”، تمكّنت من تسجيل حديث الصدر وإيصاله إلى القذافي.
في 25 آب 1978، وصل الإمام إلى ليبيا، تلبية لدعوة الاحتفال بذكرى “ثورة الفاتح من سبتمبر”. وبحسب الرواية التي يعرضها د. حميد عبدالله، طلب القذافي لقاء الصدر منفردًا في 31 آب في باب العزيزية، من دون رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين.
وفي اللقاء، واجه القذافي ضيفه مباشرة بما نُقل إليه، وسأله عمّا إذا كان قد وصف “الكتاب الأخضر” بأنه كتاب تافه. لم يتراجع الصدر عن موقفه أو يلجأ إلى المجاملة، بل أعلن رأيه بكل شجاعة، معللا إياه بأن الكتاب لا يتضمن، أي نظرية أو فكرة ذات قيمة.
القذافي، شأنه شأن سائر الطغاة، لم يكن يحتمل نقدًا أو اعتراضًا. وما إن سمع موقف السيد موسى الصدر حتى فقد أعصابه، وانهال عليه بكلام قاس، قبل أن يتجاوز الأمر إلى إهانة عمامته ورميها أرضًا. وبمنطق التخوين نفسه الذي يُشكّل سمة مرضية ملازمة لـ”الممانعة”، اتهم القذافي الصدر بأنه “إسرائيلي”.
أما الصدر، فحافظ على هدوئه، وردّ على القذافي بالقول إن مصيره سيكون في النار. عندها ازداد الأخير غضبًا، وأمر حراسه بتقييده واقتياده.
ويقول د. عبد الله إن الزعيم الليبي لحق بهم، واستدعى شخصًا يُدعى حسني الأحراري، ثم سحب مسدسه وأطلق رصاصتين في صدر الإمام موسى الصدر. وبعد ذلك، سلّم المسدس إلى الأحراري وأمره، بتصفية الشيخ محمد يعقوب وعباس بدر الدين، اللذين كانا قد قُيّدا ونُقلا إلى مكان آخر.
بعد وقوع الجريمة، واجه القذافي والمحيطون به مسألة التخلّص من الجثامين وإخفاء آثار ما حصل. فصدر الأمر إلى حسني الأحراري بنقل الجثث الثلاث ودفنها في منطقة “بئر الغنم”.
خطة روما
لم يكن دفن الجثامين، بحسب الرواية، كافيًا. كان لا بد من إيجاد مخرج يبعد المسؤولية عن النظام الليبي ويقدّم تفسيرًا لاختفاء الرجال الثلاثة. وهكذا وُلدت رواية سفر الصدر ورفيقيه من طرابلس الليبية إلى روما.
لذا، أعدت أجهزة النظام خطة تقوم على استخدام جوازات سفر الصدر ويعقوب وبدر الدين وإرسال ثلاثة عناصر أمنيين إلى إيطاليا لانتحال شخصياتهم، بما يوحي بأنهم غادروا ليبيا أحياء. واشترى المنفذون، تذاكر على خط طرابلس (ليبيا) – روما – بيروت، وكان الهدف خلق آثار رسمية تثبت عبور أصحاب الجوازات الثلاثة الأراضي الإيطالية.
طوني عطية – نداء الوطن

