“عام دراسي استثنائي جديد”، بهذه الكلمات اختصرت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي الواقع التعليمي لهذه السنة. فمع اقتراب موعد انطلاق العام الدراسي 2026-2027 في لبنان، تحمل كرامي رسالة إلى تلاميذ لبنان، عبر “النهار”، عنوانها الأبرز: التعلّم أولاً، مهما كانت الظروف، والاستعداد لمستقبل يتغيّر بسرعة.
فبين أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة، ونزوح من المدارس الخاصة إلى الرسمية، ومنهج تربوي جديد دخل حيّز التنفيذ القانوني، تبدو السنة الدراسية المقبلة أمام تحديات كبيرة، لكنها تحمل في الوقت نفسه فرصة لإعادة التفكير في معنى التعليم ودوره في إعادة بناء الأوطان.
في هذا السياق، تقول كرامي إن الوزارة تدرك حجم التحدي الذي تحمله السنة الدراسية الجديدة، لكنها تنطلق من الدروس التي راكمها لبنان، ومن “الصمود” الذي أثبته القطاع التربوي خلال السنوات الماضية، مؤكدة أن الهدف هو “تأمين أفضل تعليم لأكبر عدد ممكن من تلاميذنا”.
منهج “شجاع” يراهن على الذكاء الاصطناعي
وفي عام يدخل فيه المنهج التربوي الجديد حيّز التطبيق التدريجي، تبدو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في صلب الرؤية الجديدة للتعليم. فالمنهج، بحسب كرامي، لم يُصمَّم ليكون مجرد تحديث للمواد الدراسية، بل ليهيّئ التلاميذ لعالم مختلف، بحيث لم يعد المطلوب حفظ المعلومات وتلقينها فقط، بل امتلاك القدرة على استخدامها وتطبيقها.
وتؤكد أن المنهج الجديد “مصمم بطريقة ذكية”، ليس لأنه يولي اهتماماً بالتكنولوجيا وإدخال الذكاء الاصطناعي فحسب، بل لأنه يهدف إلى إعداد التلاميذ للمستقبل، ليكونوا جزءاً من التطور العالمي وقادرين على المنافسة والتميّز فيه.
وهنا، لا ترى وزيرة التربية أن الذكاء الاصطناعي يعني ببساطة إدخال أدوات جديدة إلى الصفوف، بل تغييراً في طريقة التعلّم نفسها. فالهدف هو الانتقال تدريجاً من نموذج “كتاب ودرس وتلقين” إلى تجارب تعليمية تهيّئ التلاميذ للحياة، وتجمع بين المعرفة والقيم والمهارات العملية التي يحتاجون إليها مستقبلاً في وظائفهم وأدوارهم.
لكن هذه النقلة لن تحصل بين ليلة وضحاها. إلى ذلك، توضح كرامي أن الوزارة تعمل على تأمين البنية التحتية اللازمة، إلى جانب تدريب الهيئة التعليمية على استخدام أدوات العالم الرقمي، ضمن ورشة تمتد خمس سنوات، بما يسمح للقطاع التربوي بالتأقلم تدريجاً مع التطورات المتسارعة.
كذلك تصف المنهج الجديد بأنه “منهج شجاع”، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، لكنها تشدّد على أن طموح الوزارة هو بناء منهج وطني “يشبهنا”، ينطلق من السياق اللبناني ويحترم قيم المجتمع وخصوصية البلد، من دون أن يقلّ جودةً عن المناهج المعتمدة عالمياً.
“ناطرينكم دائماً”
ولا يغيب التلاميذ الذين غادروا لبنان أو اضطروا إلى النزوح عن رسالة الوزيرة. فإلى المهاجرين، تقول: “ناطرينكم دائماً”، داعية إياهم إلى البقاء على صلة بمدارسهم وبلدهم، ومؤكدة أن أبواب لبنان ستبقى مفتوحة أمامهم.
أما للتلاميذ النازحين، فتشير إلى أن خلال جولتها في جنوب لبنان تشرّبت معنى الصمود من الاهالي المصمّمين على العودة إلى أراضيهم. وفي هذه المحنة تشدّد على أن الوزارة ستكون إلى جانبهم أينما وجدوا، وأن المدارس الرسمية ستكون مفتوحة لاستقبالهم، بما يتيح لهم متابعة عامهم الدراسي، إلى حين تمكنهم من العودة إلى مناطقهم ومدارسهم.
نزوح من الخاص إلى الرسمي
وفي موازاة ذلك، يواجه التعليم الرسمي تحدياً إضافياً مع ارتفاع الأقساط في المدارس الخاصة، الأمر الذي يدفع عدداً من العائلات إلى إعادة النظر في خياراتها التعليمية. وفي هذا الواقع، ترى كرامي فرصة أمام المدرسة الرسمية لاستعادة دورها بصفتها “المدرسة الوطنية”، لا أن تكون مجرد الخيار الأقل تكلفة.
كما تؤكّد أن المدارس الرسمية قادرة على ذلك، مشيرة إلى أن “المقاعد موجودة وجاهزة” لاستقبال العائلات التي تختار التعليم الرسمي، فيما تعمل الوزارة على تأمين الأساتذة في المناطق التي تحتاج إليهم، ولافتةً إلى أن الوزارة عقدت اجتماعات تحضيراً لانطلاق العام الدراسي، وتعاونت مع روابط التعليم لضمان جهوزية المدارس الرسمية.
وتشدّد في هذا السياق على أن من واجب الدولة أن تضمن لكل تلميذ في لبنان مقعداً مدرسياً، وأن وجود التعليم الرسمي يشكّل ضمانة أساسية للعائلات، بحيث يبقى التعليم خياراً متاحاً للجميع، أياً تكن قدرتهم على تحمّل تكلفة التعليم الخاص. فيما ترى أن الانتقال من التعليم الخاص إلى الرسمي، في حال حصوله، يجب ألا يُنظر إليه فقط باعتباره نتيجة للأزمة الاقتصادية، بل فرصة أمام المدرسة الرسمية لتثبت دورها بصفتها مؤسسةً وطنية قادرة على تقديم تعليم ذي جودة.
في المقابل، تدرك الوزارة أن العام الدراسي يأتي في ظروف استثنائية تطاول القطاعين الرسمي والخاص، في ظل ارتفاع تكلفة التشغيل وضيق الموارد، لذلك تدعو الى أن يتعامل الجميع مع العام الدراسي بروحٍ من التعاون والصمود والمسؤولية المشتركة، معتبرة أن قيمة التربية تظهر تحديداً في قدرة المجتمع على الحفاظ عليها والاستثمار فيها رغم الأزمات.
وتختصر كرامي رؤيتها بالقول إن لبنان قادر، من خلال هذا الجهد المشترك، على أن يثبت مجدداً أن التربية هي إحدى أهم ثرواته، وأن الحفاظ على التعليم ليس ترفاً في زمن الأزمات، بل استثمار في الجيل الذي سيحمل مستقبل البلاد، “لأن البلد اليوم بحاجة لنا والتلاميذ أمل المستقبل”.
باميلا شاهين – النهار

