الراعي: لا دولة بقرارين ولا وطن إذا بقي اللبناني بعيدًا عن جرح أخيه

0
9

احتفل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بالقداس الإلهي في الصرح البطريركي في الديمان، يعاونه النائب البطريركي على كرسي الجبّة وزغرتا المطران جوزيف نفاع، وأمين السر العام الأب فادي تابت، وأمين السر الخاص الخوري كاميليو مخايل، والوكيل البطريركي في الديمان الخوري طوني الآغا، ولفيف من الكهنة، بمشاركة الشعب المؤمن.

وانطلق البطريرك الراعي في عظته من سؤال الإنجيل: «مَن هو قريبي؟»، مستعيدًا مثل السامري الصالح ليؤكد أن القرابة الحقيقية لا يصنعها الدم أو الملّة أو الدين، بل المحبة والرحمة، وأن المسيح نقل الإنسان من سؤال «مَن هو قريبي؟» إلى مسؤولية أن يصبح هو قريبًا من كل إنسان متألّم، وفق وصيته: «اذهب أنت وافعل كذلك».

ومن هذا المعنى الإنجيلي، رسم الراعي مفهومًا للقرابة الوطنية يتجاوز الطائفة والحزب والمنطقة، مشددًا على أن القريب في لبنان هو كل لبناني تصبح حياته وكرامته وأمنه أمانة في ضمير اللبناني الآخر، وأن الوطن لا يمكن أن يقوم إذا بقي كل فريق قريبًا من جماعته فقط. فلبنان،  أوسع من الطائفة، والدولة أكبر من الحزب، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الخاصة.

وتوقف الراعي عند معاناة الجنوب، مؤكدًا أن «الجنوب جنوبنا، والأرض أرضنا، والناس شعبنا»، وأن ما يصيب أي منطقة من لبنان يصيب الوطن كله. وشدد على أن أهل المنطقة والجنوب هم جزء أصيل من لبنان، وأن دمهم ليس أقل قيمة من دم أي لبناني، وأن حقهم في أرضهم وبيوتهم وأمنهم هو حق وطني لا يجوز أن يخضع لأي حساب آخر.

وفي هذا السياق، تناول ما رفعه أبناء رميش وعين إبل ودبل ومطارنتهم من صعوبات في التنقل ووصول المساعدات الإنسانية والمعيشية، ولا سيما بعد منع بعض القوافل من متابعة طريقها وإعادتها، مطالبًا الجهات المعنية بتسهيل حركة القوافل ووضع آلية تنسيق واضحة وثابتة تضمن تنقل الأهالي ووصول المساعدات من المنظمات الإنسانية والجهات المانحة إليهم، بما يعزز بقاءهم وصمودهم في أرضهم.

وفي موقف واضح من مسألة السيادة، أكد البطريرك أن حصر السلاح بيد الدولة ليس غلبة فريق على آخر ولا مواجهة مع طائفة أو جماعة، بل تثبيت لمرجعية وطنية واحدة، مشددًا على أن الدولة لا تستقيم بقرارين، ولا تكتمل السيادة مع تعدد المرجعيات. واعتبر أن الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة القرار السيادي والمسؤولة عن حماية جميع أبنائها، لأن لبنان لا يستطيع مطالبة الآخرين باحترام سيادته إذا لم تكن هذه السيادة مكتملة في الداخل.

كما دعا إلى انتقال المفاوضات والوساطات من دائرة الاتصالات إلى نتائج فعلية على الأرض، في مقدمها وقف الاعتداءات وتحقيق الانسحاب وتثبيت الاستقرار، ضمن ضمانات جدية تحفظ حقوق لبنان وسيادته وتمنع تكرار التصعيد، معتبرًا أن المفاوضات لا يجوز أن تتحول إلى مسار مفتوح بلا أفق، بل إلى وسيلة تعيد إلى اللبنانيين الأمن والاستقرار.

وختم الراعي عظته بإعادة السؤال الإنجيلي إلى قلب الواقع اللبناني، مؤكدًا أن بناء الوطن يبدأ حين يصبح كل لبناني قريبًا من اللبناني الآخر، وحين تكون الدولة مرجعية الجميع، والسيادة واحدة، وكرامة الإنسان فوق الحسابات والانقسامات. وهكذا تحوّل سؤال «مَن هو قريبي؟» إلى نداء وطني واضح: لا تسأل فقط مَن هو قريبك، بل كن قريبًا لكل لبنان.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا