في لبنان، لم يعد السؤال: هل اللبناني غاضب؟
السؤال الأصعب: هل ما زال يملك القدرة على أن يغضب؟
شعبٌ عاش قروناً على هذه الأرض، ومرّ بالحروب والمجاعات والهجرة والانقسامات، وتعلّم في كل مرة كيف يبدأ من جديد.
لكن ماذا لو وصل اللبناني اليوم إلى مكان يخاف فيه من أن تكون المرة المقبلة مختلفة؟ ماذا لو لم يعد يخاف فقط من الأزمة نفسها، بل من أن تكون هذه الأزمة هي التي لا يستطيع بعدها أن يبدأ من جديد؟ فاللبناني عاش طويلاً وسط الفوضى والأزمات. اعتاد أن تتغير حياته فجأة، وأن يصبح ما كان يبدو عادياً رفاهية، وأن يعيش وهو لا يعرف ماذا يحمل له الغد. عاش الحروب، والأزمات السياسية، والانهيارات الاقتصادية، والانقطاعات، والهجرة، وتعلّم كيف يتأقلم مع كل شيء تقريباً.
كان في كل مرة يخسر شيئاً، ثم يحاول أن يعيد بناء ما خسره.
بيتاً.
عملاً.
مدخرات.
عائلة.
حلماً.
كان يبدأ من جديد لأنّه كان يؤمن، ولو بصعوبة، أن هناك دائماً بداية أخرى. لكن ماذا يحدث عندما تتكرر الخسارات إلى درجة يصبح معها البدء من جديد نفسه عبئاً؟ ربما هذا هو الخوف الأعمق الذي يعيشه اللبناني اليوم. ليس الخوف من أن يسوء الوضع فقط، بل من ألا يملك ما يكفي ليعيد بناء حياته إذا ساء أكثر. انهيار اقتصادي، تراجع في القدرة الشرائية، أزمة مصرفية، انفجار بيروت، أزمات سياسية وأمنية متلاحقة، وهجرة متزايدة. أزمات لم تترك اللبناني غاضبًا فقط، بل تركته مستنزفًا. فالذي خسر مدخراته، ويكافح لتأمين طعام عائلته، ويخشى على عمله ومستقبل أولاده، قد يريد التغيير، لكنه يخاف كلفته. وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الأكثر قسوة: كلما ازداد الناس حاجة إلى التغيير، أصبحوا أقل قدرة على تحمّل فوضى جديدة. الجوع لا يلغي الغضب، لكنه يجعل الأولوية للبقاء. فالإنسان الذي لا يعرف كيف سيدفع إيجاره آخر الشهر، أو كيف سيؤمّن دواء والديه، قد لا يستطيع أن يتحمّل أياماً من الإضرابات وإغلاق الطرقات واضطراب الأعمال. فاللبناني لا يخاف الشارع فقط، يخاف ما قد يحدث بعده. يخاف أن تتوقف الحياة، أن يخسر ما تبقى من عمله، أن يضطر إلى الهجرة، أن يعود إلى نقطة الصفر. لكن ربما للمرة الأولى، يخاف أيضاً أن تكون نقطة الصفر نفسها أبعد مما يستطيع الوصول إليه. هو يعرف الفوضى جيداً. يعرف معنى أن تتوقف الحياة، أن تُغلق الطرق، أن تتعطل الأعمال، وأن تتحول الهجرة من خيار إلى وسيلة نجاة. ويعرف أيضاً أن الفئات الأكثر قدرة على تحمّل الأزمات ليست بالضرورة الفئات التي تدفع ثمنها الأكبر. لذلك، فإن الخوف من التوتر الأمني لا يعني بالضرورة الرضا عن الواقع. وقد يكون العكس تماماً. قد يكون اللبناني أكثر غضباً من أي وقت مضى، لكنه أكثر حذراً أيضاً. لقد تعلّم أن الدولة الضعيفة تعني أن المواطن العادي هو أول من يدفع الثمن. وأن الأزمة السياسية لا تبقى في السياسة، بل تصل إلى المطبخ، وإلى المدرسة، وإلى المستشفى، وإلى جيب كل عائلة. وربما لهذا السبب، أصبح الاستقرار بالنسبة إلى كثيرين حاجة أساسية، حتى عندما يكون هذا الاستقرار هشاً وغير مكتمل.
فاللبناني يريد دولة تحميه، لا واقعًا يجبره على الاختيار بين الأمان والعدالة. يريد أن يعمل من دون أن يخاف الغد، وأن يشتري حاجاته من دون أن يحسب كل ليرة، وأن يربي أبناءه من دون أن يكون السفر هو الخطة الأولى لمستقبلهم. بعد قرون من البقاء، وبعد عقود من الحروب والأزمات، ربما لم يعد اللبناني يبحث عن بطولة جديدة. هو لم يتعب من الحلم بالتغيير، تعب من أن يدفع ثمنه. وتعب أكثر من فكرة أن عليه، بعد كل شيء، أن يبدأ من جديد. فهذا الشعب لم يعد يريد أن يثبت أنه قادر على النجاة. ربما، هذه المرة، هو فقط خائف من ألا يستطيع.
يريد، ببساطة، أن يعيش.

