القمار الإلكتروني من الكازينو إلى هواتف الشباب: إقبال عليه للربح السريع… فماذا عن الخسائر؟

0
6

المصدر: النهار

20 دولاراً فقط تكفي لتحويلها إلى 2000 دولار في ساعات، أو حتى ثوانٍ، وقد تختفي الـ2000 نفسها في ساعات أخرى. هكذا يبدو القمار اليوم بالنسبة إلى جيل فتح له الهاتف أبواباً جديدة للربح السريع: رهان صغير، ربح سريع، وإغراء بالمحاولة مرة أخرى. لم يعد الوصول إلى المراهنة يحتاج إلى كازينو أو مكان مخصص، إذ يكفي تطبيق على الهاتف ليصبح الرهان متاحاً في أي وقت ومن أي مكان.

لم يعد القمار الإلكتروني ظاهرة هامشية، فقد تحوّل إلى سوق بمليارات الدولارات. وقدّرت منصة استخبارات السوق “بلاسك” إيرادات القمار الإلكتروني في لبنان بـ4.89 ملايين دولار في آذار 2026، مقارنةً بـ3.09 ملايين دولار في نيسان 2025، أي بارتفاع 58% خلال 13 شهراً.

المستوى العالمي، قدّرت “The business research company”  حجم سوق القمار الإلكتروني بـ130.2 مليار دولار في 2025، و143.17 ملياراً في 2026.
القمار ليس ظاهرة جديدة، فقد بدأ بألعاب الحظ التي عرفها الإنسان منذ آلاف السنين، ثم انتقل إلى دور قمار منظمة، من بينها الـ”Ridotto” الذي افتُتح في البندقية الإيطالية عام 1638. ومع التطور التكنولوجي، انتقل إلى الهواتف، وتغيرت الطريقة التي يصل بها إلى الناس، وتحول بالنسبة إلى بعض الشباب من لعبة يراهنون فيها على حظهم إلى وسيلة يرون فيها طريقاً سريعاً للحصول على المال.

كيف تحوّل القمار الرقمي إلى ممارسة عادية ومتاحة بهذه السهولة، رغم ما قد يسببه من خسائر مالية ونفسية واجتماعية؟ 

الرهان مصدر دخل

خلف هذه الأرقام واقع اقتصادي يجعل المال السريع أكثر إغراءً. ففي لبنان، بلغ معدل البطالة نحو 30% عام 2025، فيما بقيت بطالة الشباب عند نحو 48%، وفق بيانات منظمة العمل الدولية. وبين الحروب المتتالية وارتفاع كلفة المعيشة وضيق فرص العمل، يجد جزء من الشباب اللبناني نفسه أمام واقع اقتصادي يدفعه إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، ولو كانت محفوفة بالمخاطرة.

بالنسبة إلى أحمد مصطفى البالغ من العمر 21 عاماً، لم تعد المراهنات الرياضية مجرد لعبة، بل أصبحت جزءاً من دخله اليومي. وفي حديث إلى “النهار”، يشرح أحمد كيف يستطيع تحقيق الأرباح من منزله: “ممكن حطّ 5 دولارات وأعمل منها 200 دولار، أو حتى أكتر”.

لكن الأرباح لا تأتي دائماً بالسهولة نفسها. خلال السنتين اللتين أمضاهما في المراهنة، اختبر أحمد الوجه الآخر للرهان، حيث يمكن مبلغاً صغيراً أن يتحول إلى خسارة كبيرة. يقول: “دوامة أحاسيس… الربح رائع، لكن الخسارة مؤلمة. خسرت مرة 2000 دولار بعدما وضعت 20 دولاراً في الحساب…طمعت. لم أغادر غرفتي ليومين، ولم أستوعب ما حصل يومها”.

تجربة أحمد تختصر الوجهين اللذين تحملهما المراهنة: إغراء الربح السهل من جهة، والخسارة التي قد تتجاوز المال من جهة أخرى. وبين هذين الوجهين، تتسلل المراهنة تدريجاً إلى الحياة اليومية للشباب، حتى تصبح ممارسة عادية لا تستدعي التوقف عند مخاطرها.


من رهانٍ عابر إلى عادة يومية

لم تعد المراهنة بالنسبة إلى كثر من الشباب اللبناني مرتبطة بصورة الكازينو أو ألعاب القمار التقليدية، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، وخصوصاً مع متابعة مباريات كرة القدم. يكفي أن يفتح الشاب هاتفه ليجد تطبيقات المراهنة أمامه، أو أن يتلقى عرضاً لرهان جديد، أو أن يسمع أصدقاءه يتحدثون عن مباراة راهنوا عليها. ومع سهولة فتح الحساب وإيداع مبالغ صغيرة، أصبح دخول عالم المراهنة لا يحتاج إلى أكثر من هاتف وبضعة دولارات.

وتساهم الرياضة، ولا سيما كرة القدم، في جعل المراهنة أكثر حضوراً بين الشباب، إذ تتحول المباراة من مجرد مشاهدة إلى فرصة للرهان على الفريق الفائز وعدد الأهداف، أو نتيجة المباراة.

وفي حزيران 2026، سجلت منصة 

Betarabia المرتبطة بكازينو لبنان ارتفاعاً بنسبة 40% في عدد اللاعبين منذ انطلاق كأس العالم 2026، في مؤشر لارتباط المراهنة بالأحداث الرياضية الكبرى.

ولا تتوقف العملية عند سهولة الوصول. فالرهان يُقدَّم غالباً بصورة قريبة من الترفيه، وبمبالغ تبدو صغيرة في بدايتها، ما يجعل الانتقال من مشاهدة المباراة إلى المراهنة عليها أمراً سهلاً. وهكذا، لم يعد السؤال بالنسبة إلى بعض الشباب “لماذا أقامر؟”، بل أصبح الرهان نفسه جزءاً من طريقة متابعة المباراة وقضاء الوقت مع الأصدقاء.

الخسارة جزء من اللعبة
لا يرتبط استمرار القمار بالربح وحده. وقد أثبتت دراسة عصبية أن ما يُعرف بـ”الربح القريب”، أي الخسارة التي تبدو كأنها كانت قريبة جداً من الفوز، يمكن أن تزيد رغبة اللاعب في الاستمرار، رغم أنه لم يربح شيئاً. كذلك أظهرت أبحاث باستخدام تصوير الدماغ نشاطاً في مناطق مرتبطة بالمكافأة لدى المقامرين عند اختبار هذه النتائج.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطراب القمار يمكن أن يؤدي إلى أضرار مالية وعائلية ونفسية، وأن العلاج النفسي، ومنه العلاج السلوكي المعرفي والمقابلات التحفيزية، من الأساليب التي تمتلك أدلة على فاعليتها. وتوصي بتحديد حدود الخسارة والاستبعاد الذاتي للحد من الضرر.

المشكلة إذاً لا تبدأ دائماً بمبلغ كبير. قد تبدأ بعشرين دولاراً، أو بفوز أول يجعل 20 دولارا تبدو قادرة على أن تصبح 2000. لكن السؤال الذي يبقى بعد انتهاء الرهان ليس كم ربح اللاعب في ليلة واحدة؟ بل كم دفع لاحقاً ليستعيد ذلك الشعور مرة أخرى!

في المحصلة، لم يعد القمار مجرد لعبة تُمارس خلف أبواب الكازينو، بل أصبح حاضراً في هاتف الشاب، وبين أصدقائه وفي أثناء متابعته مباراته المفضلة. وقد تبدأ القصة بخمسة دولارات وربح يجعل المال السريع يبدو ممكناً، لكنها قد تنتهي بخسائر أكبر من المبلغ الذي وُضع في البداية. وبين سهولة الوصول، وتطبيع المراهنة، والرغبة في تحقيق دخل سريع، يجد الجيل الجديد نفسه أمام لعبة لا تقاس مخاطرها دائماً بحجم الرهان الأول. فالمشكلة ليست في أن يخسر اللاعب مبلغاً في ليلة، بل في اللحظة التي يصبح فيها استرجاع الخسارة سبباً لوضع رهان جديد، ويصبح الأمل بالربح السريع عادة يصعب التراجع عنها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا