من بْطرّام إلى العالم… فيليب سالم، حكاية عَلَمٍ لبناني تجاوز الحدود

0
5

نشرت الحركة الفينيقية عن فيليب سالم:

ليس فيليب سالم طبيباً فحسب، بل هو مرجع في حقل السرطان؛ يبحث فيه، ويكتب عنه، ويرشد الباحثين، ويساهم في تطوير العلاجات لمواجهة أصعب أنواع هذا المرض وأخطرها.

انطلقت مسيرته المهنية من الجامعة الأميركية في بيروت، وتحديداً من مركزها الطبي، اللذين شكّلا معاً مسرحاً أساسياً لإنجازاته الأولى في لبنان. وهناك عُرف بـ«الطالب المتمرّد» و«الحكيم الثائر»، إذ خاض معارك أكاديمية وعلمية من أجل تحديث المناهج التعليمية وأساليب معالجة مرض السرطان والاستشفاء منه.

تمسّك سالم بالبحث العلمي الحديث طريقاً إلى المعرفة، ودافع عن ضرورة أن يكون البحث في صلب العمل الطبي، ما وضعه أحياناً في مواجهة مع بعض المسؤولين والأساتذة في كلية الطب. إلا أن الخلافات لم تثنه عن قناعاته، فواصل عمله، واخترق الكثير من «التابوات» العلمية والأكاديمية، وساهم في ترسيخ موقع البحث العلمي في طب السرطان في لبنان والمنطقة.

من بْطرّام إلى بيروت

وُلد فيليب سالم في 13 تموز 1941، خلال الحرب العالمية الثانية، في بلدة بْطرّام في قضاء الكورة شمال لبنان، وهو الابن الخامس لأديب سالم ولميا مالك. وكان والده قد شغل منصب الكاتب بالعدل في قضاء الكورة مدة أربعة وثلاثين عاماً.

تلقّى دروسه الابتدائية في المدرسة الرسمية في بْطرّام، قبل أن ينتقل عام 1953 من البرنامج الفرنسي إلى البرنامج الإنكليزي في مدرسة بشمزّين العالية، حيث برز تفوّقه باكراً، فكان الأول بين زملائه، وتخطّى أكثر من صف دراسي نتيجة تقدّمه العلمي.

بعد حصوله على شهادة البريفيه، انتقل إلى طرابلس والتحق بـ«كلية التربية والتعليم الإسلامية»، حيث ظهرت باكراً أيضاً نزعة التمرّد الفكري لديه. فقد اعترض على أساليب التلقين والإملاء التقليدية، وطالب بإدخال الحوار والنقاش إلى الصفوف، رافضاً التعامل مع كلام الأستاذ باعتباره حقيقة لا تُناقش.

وفي عام 1958، انتقل إلى الـInternational College في بيروت، حيث حقق نتائج متميزة في المواد العلمية والأدبية. وبعد حصوله على شهادة البكالوريا – الجزء الثاني، دخل الجامعة الأميركية في بيروت والتحق بكلية الآداب والعلوم.

كان يميل أساساً إلى دراسة الفلسفة، إلا أنه استجاب لرغبة والدته واختار الطب. وعندما تقدّم عام 1961 إلى كلية الطب، حصل على مساعدة مالية من المجلس الثقافي البريطاني، الذي تكفّل بدراسته ومعيشته طوال سنوات دراسته الطبية، تقديراً لتفوّقه الأكاديمي.

ولم تمنعه دراسة الطب من شغفه بالفكر والفلسفة والأدب. فقد استفاد من مكتبة المجلس الثقافي البريطاني، وقرأ لكبار المفكرين والأدباء، ومن بينهم ليو تولستوي وبرتراند راسل. كما انتُخب رئيساً للطلبة في المجلس الثقافي البريطاني لخمس سنوات.

وفي بيروت الستينات، كان مطعم «فيصل» واحداً من الأماكن التي تركت أثراً في تكوينه، إذ كان ملتقى للمفكرين والسياسيين والطلاب، وشهد نقاشات سياسية وفكرية وإيديولوجية حادة، أتاحت لسالم الاحتكاك بشخصيات لبنانية وعربية بارزة.

«الطالب المتمرّد»

في الجامعة الأميركية، عُرف فيليب سالم بالطالب المتمرّد والناقد لأساليب التعليم التقليدية. كان يرفض إهانة الطلاب أمام زملائهم، ويعترض على عدم احترام آرائهم، ويدعو إلى فتح أبواب النقاش والحوار بين الأستاذ والطالب.

وقد أدّت مواقفه إلى خلافات مع عدد من أساتذته، لكنه بقي متمسكاً بقناعته بأن التعليم الحقيقي يقوم على التفكير والنقد لا على التلقين.

وحين طلب منه العميد فريد نجار تدريس مادة البيولوجيا في كلية التربية الحديثة العهد في الجامعة اللبنانية، وضع سالم أسلوباً تعليمياً مختلفاً، قائماً على الحوار والتفاعل. وعلى مدى ثلاث سنوات، استطاع أن يستقطب الطلاب إلى طريقته غير التقليدية في التعليم.

وبالتوازي، كان طبيباً مقيماً في قسم الطب الداخلي في مستشفى الجامعة الأميركية، كما بقي قريباً من الفلسفة التي شكّلت أحد أبرز شغفه الفكري.

من أمراض الكلى إلى السرطان

كان سالم يعتزم التخصص في أمراض الكلى، لكن حادثة إنسانية غيّرت مسار حياته. فقد كانت زوجة أحد أصدقائه مصابة بسرطان الرحم، وتمنّت عليه قبيل وفاتها أن يتخصص في معالجة السرطان.

ومن هنا بدأت رحلته الطويلة مع هذا المرض.

تخرّج طبيباً من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1965، وتدرّب ثلاث سنوات في قسم الطب الداخلي. وفي عام 1968، توجه إلى الولايات المتحدة للتخصص في السرطان والأبحاث في مركز Memorial Sloan Kettering في نيويورك.

شكّل هذا المركز محطة مفصلية في حياته المهنية، ولا سيما من خلال علاقته بالدكتور ديفيد كارنوفسكي، أحد رواد العلاج الكيميائي للسرطان، الذي تبنّاه مهنياً وأصبح بمثابة الأب الروحي له.

وفي عام 1970، انتقل سالم إلى هيوستون في تكساس للعمل في مستشفى MD Anderson ومتابعة تخصصه، ليكون من أوائل الأطباء القادمين من لبنان والمنطقة إلى هذا المركز العالمي.

العودة إلى لبنان

عاد فيليب سالم إلى لبنان عام 1971، وعُيّن رئيساً لقسم السرطان في الجامعة الأميركية في بيروت. وهناك بدأ مرحلة جديدة حاول خلالها تطوير البحث العلمي وبرامج علاج السرطان، رغم الصعوبات الإدارية والعلمية والإمكانات المحدودة.

وخلال سنوات عمله في لبنان، ركّز سالم على العلاقة بين الالتهابات المزمنة ونشوء بعض أنواع السرطان، ودافع عن أهمية الوقاية الكيميائية والبحث في المراحل المبكرة للمرض، في وقت كانت فيه هذه المقاربات لا تزال موضع نقاش علمي واسع.

وفي 24 آب 1973، اقترن بالفتاة العراقية وداد جبوري، التي كانت طالبة في الجامعة الأميركية في بيروت، ورُزقا بثلاثة أبناء: دارة، وخالد، وريا.

وخلال المرحلة الممتدة بين عامي 1971 و1987، ارتبط اسم سالم بثلاثة أدوار أساسية: نشر ثقافة الأمل بإمكان علاج السرطان والشفاء منه، تأسيس برنامج علمي للعلاج والبحث في الأمراض السرطانية، وتدريب جيل من الأطباء اللبنانيين والعرب.

وقد درّب نحو 23 طبيباً لبنانياً وعربياً، انتقل عدد منهم لاحقاً إلى أبرز مراكز السرطان في العالم، ولا سيما MD Anderson، حيث تولّى بعضهم مسؤوليات أكاديمية وطبية وبحثية متقدمة.

كما ترأس «الجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان» مدة خمسة عشر عاماً، وشغل منصب الأمين العام لمؤسسة برامج السرطان في منطقة الشرق الأوسط.

الهجرة إلى الولايات المتحدة

دفعت الحرب اللبنانية وما رافقها من ظروف أمنية وتهديدات فيليب سالم وعائلته إلى مغادرة لبنان عام 1987 والاستقرار في الولايات المتحدة.

وفي هيوستون، وجد البيئة العلمية والإمكانات التي أتاحت له توسيع أبحاثه وممارسته الطبية. كما انخرط في عدد من المبادرات المتعلقة بالرعاية الصحية الأميركية، ونسج علاقات مع شخصيات سياسية أميركية، من بينها عائلة الرئيس جورج بوش الأب.

وفي عام 1991، أسس «مركز سالم للسرطان» تحت مظلة مستشفى سانت لوك، وتولى مسؤوليات متقدمة في مجال أبحاث السرطان، لتدخل مسيرته مرحلة جديدة من الحضور الطبي والبحثي الدولي.

وامتد نشاطه خارج الولايات المتحدة، فأسس فروعاً لمركز سالم للسرطان في مدن إيطالية، من بينها روما وميلانو ونابولي، وكان يزورها دورياً برفقة فريق طبي وتقني لمتابعة المرضى.

الطبيب والإنسان

إلا أن قصة فيليب سالم لا تختصر بالأبحاث والمختبرات والمستشفيات.

فقد عُرف باهتمامه بالمريض وعائلته بقدر اهتمامه بالمرض نفسه، وبإيمانه بأن معالجة السرطان لا تعني فقط مواجهة الورم، بل أيضاً مرافقة الإنسان في واحدة من أصعب تجارب حياته.

وإلى جانب الطبيب والباحث، بقي اللبناني حاضراً بقوة في شخصيته؛ ابن الكورة المتعلّق ببلدته بْطرّام، بأرضها وأهلها وتراثها، والوفي لوالديه ولما غرسا فيه من قيم.

هكذا اجتمع في شخصية فيليب سالم شغفان لم يفترقا: مغامرة علمية وإنسانية لا تعترف بالحدود الجغرافية أو المعرفية، وارتباط عميق بالجذور والذاكرة والتراث.

وبقيت الفلسفة، التي أراد يوماً أن يتخصص فيها قبل أن يختار الطب، حاضرة في رؤيته للإنسان والحياة. فالطبيب الذي أمضى عقوداً في محاولة فهم السرطان، ظلّ منشغلاً أيضاً بأسئلة أخرى: معنى الوجود، وحدود المعرفة، وموقع الإنسان بين العلم والجمال والحياة.

من بْطرّام إلى بيروت، ومن نيويورك إلى هيوستون، ومن لبنان إلى الولايات المتحدة وأوروبا، امتدت رحلة فيليب سالم على مساحة العلم والطب والإنسان، فيما بقيت جذوره اللبنانية والكورانية حاضرة في مسيرة حملها معه أينما ذهب.