*الرئيس نواف سلام: أفضل تكريم للدستور أن نعيد إليه دوره.. دولة قوية بالقانون لا على القانون*

0
7

ألقى رئيس الحكومة نواف سلام، اليوم الأربعاء، كلمة خلال افتتاح معرض “بين سطور الدستور”، في المكتبة الوطنية، ورد فيها الآتي: “يسعدني أن أكون معكم اليوم، في المكتبة الوطنية، وأن أقف “بين سطور الدستور”.
مئة عام مرّت على نصّ لم يكن مجرد مجموعة من المواد القانونية، بل كان ولا يزال، الإطار الذي انتظم فيه وجود دولتنا، وتحددت من خلاله مؤسساتها وسلطاتها، ورُسمت حقوق اللبنانيين وحرياتهم
لكن الدساتير، في جوهرها، ليست نصوصًا لتنظيم السلطة فحسب، هي، قبل ذلك، نصوص لتقييد السلطة. وهذا هو المعنى الأعمق لفكرة الدستور: ألّا تكون السلطة مطلقة، وألّا يكون الحاكم فوق القانون؛ أن يعرف المواطن حقوقه، وأن تعرف كل سلطة حدودها؛ وأن تكون هناك قواعد يحتكم إليها الجميع عندما يختلفون.
مئة عام مرّت على الدستور اللبناني. مئة عام على نصّ لم يولد من فكرة واحدة، ولا من تجربة واحدة، ولا من مصدر فكري واحد. وهذا، في رأيي، ليس تفصيلاً في تاريخ دستورنا، بل هو مفتاح لفهم لبنان نفسه

فالدستور اللبناني ابنُ تعدد. تعدد في مصادره الفكرية، وتعدد في التجارب التي سبقته، وتعدد في المجتمع الذي أراد أن ينظّم حياته السياسية. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا اليوم، بعد مئة عام، هو:
هل نجحنا في تحويل هذا التعدد إلى شراكة في الدولة؟ أم أننا تركناه، في مراحل كثيرة، يتحول إلى تقاسم للدولة؟ هذه هي المسألة التي ينبغي أن تشغلنا في مئوية الدستور.
فالاحتفال بالدستور لا يعني أن نعود فقط إلى اللحظة التي وُضع فيها النص، بل أن نسأل ماذا فعلنا به، وماذا أضافت إليه تجربتنا، وما الذي بقي ناقصاً، وما الذي تعلمناه بعد قرن كامل من الأزمات والحروب والتسويات.
لقد صدر الدستور اللبناني في الثالث والعشرين من أيار عام 1926. لكن أصوله تعود إلى ما قبل ذلك اليوم بكثير. فهي تعود إلى القرن التاسع عشر، أي إلى الزمن الذي بدأت تدخل فيه إلى هذه المنطقة أفكار وممارسات جديدة حول الدولة والسلطة والحقوق.
فمع إصلاحات التنظيمات العثمانية، بدءاً من خط كلخانة العام 1839، ثم الخط الهمايوني العام 1856، بدأت تتغير تدريجياً علاقة الفرد بالسلطة. دخلت مفاهيم المساواة أمام القانون، وتنظيم الإدارة، وضمان بعض الحقوق، وأصبح السؤال عن حدود السلطة جزءاً من النقاش العام.
ثم جاء الدستور العثماني العام 1876، وبعده العودة إلى الحياة النيابية العام 1908 بعدما كان تم تعليقها، فترسخت في الحياة السياسية في بلادنا مفردات وتجارب جديدة: البرلمان، والتمثيل، والانتخابات.
وهنا بدأ الانتقال من فكرة الحاكم العادل إلى فكرة الحكم المقيد. ولم تكن تجربة الإصلاح العثماني دائماً ديمقراطية بالمعنى الذي نعرفه اليوم لكنها كانت جزءاً من الطريق الذي أدى إلى دستور 1926.
ومن جهة أخرى، وبعد أحداث العام 1860 في جبل لبنان، جاءت تجربة المتصرفية، بمجلسها الإداري ونظامها الخاص، لتمنحنا تجربة مبكرة في إدارة مجتمع متعدد وفي التمثيل السياسي المحلي.
وفي الوقت نفسه، كانت حركة النهضة العربية تشق طريقها في بيروت وجبل لبنان وفي مدن المشرق العربي، متأثرة بما نقله رواد أمثال رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ولا سيما بما عرضه خير الدين في كتابه الشهير “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” عن تجارب الغرب، حيث ربط تقدّمه بحسن تنظيم الدولة، ومؤسساتها الحديثة، وعلاقة المواطن بالدولة.
وهنا، من بطرس البستاني وفرح أنطون وعبد القادر القباني إلى أجيال لاحقة من المفكرين والمصلحين، بدأت تتشكل فكرة أن الوطن لا يمكن أن يكون مجرد اجتماع طوائف، وأن المواطنة ينبغي أن تكون مساحة مشتركة تجمع الأفراد على اختلاف انتماءاتهم.
بعد فتنة العام 1860، دعا البستاني مثلًا إلى وطن يعلو على العصبيات، وإلى التعليم بوصفه طريقاً للخروج من الانقسام، وإلى مجتمع يستطيع أن يحوّل اختلافه إلى مصدر قوة لا إلى سبب للصراع. طبعاً، لم يكتب رواد النهضة دستور 1926. لكنهم ساهموا في صياغة المناخ الفكري الذي جعله ممكناً. وهكذا، قبل أن تصبح المواطنة مادة في الدستور، كانت فكرة بدأت تنتشر.
وقبل أن تصبح الحرية أو المساواة حقاً دستورياً، كانت مطلباً ثقافياً وسياسياً. ثم أُضيف إلى هذا الإرث الإصلاحي والنهضوي الدور الفرنسي المباشر. فقد وُضع دستور 1926 في زمن الانتداب، واستفاد واضعوه بوضوح من التقاليد الدستورية الفرنسية، ولا سيما من النظام البرلماني للجمهورية الثالثة: الفصل بين السلطات، والمسؤولية الوزارية، ودور البرلمان، وضمان الحريات العامة.
كما دخلت إلى صلب النص مبادئ كانت في قلب الفكر الليبرالي الفرنسي: حرية الضمير، وحرية الرأي، وحرية الاجتماع، والمساواة أمام القانون. لكن خلافاً لما يعتقده البعض، فلبنان لم يستورد دستوراً جاهزاً. أخذ من التجربة الفرنسية، وأضاف إليها تجربته الخاصة. وهنا تحديداً تظهر خصوصية دستورنا. لقد كان عليه منذ البداية أن يجيب عن سؤال شديد الصعوبة:
كيف نبني دولة حديثة في مجتمع متعدد الطوائف والانتماءات؟ وكانت المادة 95، منذ البداية، محاولةً لمعالجة هذا السؤال عبر التوفيق بين مبدأ الدولة الحديثة وواقع المجتمع المتعدد، فنصت على التمثيل الطائفي بوصفه إجراءً مؤقتاً لتحقيق العدالة والوفاق.
وأشدد هنا على كلمة “مؤقتاً” لأنها تكشف أن الآباء المؤسسين أدركوا منذ البداية أن الطائفية السياسية قد تكون وسيلة انتقال إلى الدولة المنشودة، لكنها لا يمكن أن تكون غايتها النهائية. وهكذا جاء الدستور اللبناني منذ ولادته حاملاً أكثر من ذاكرة:
ذاكرة الإصلاح التي سعت إلى تقييد السلطة بالقانون، وذاكرة النهضة التي بحثت عن المواطن، وذاكرة التجربة اللبنانية في إدارة التنوع، وذاكرة الفكر الدستوري الفرنسي والبلجيكي الذي أعطى الدولة جزءاً كبيراً من بنيتها المؤسسية. الدستور اللبناني كان، إذن، منذ البداية ابنَ تَعَدُّد.
لكن التحدي لم يكن يوماً في تعدد المصادر. التحدي كان دائماً: كيف نحول هذا التعدد إلى وحدة سياسية؟ فإذا كان دستور العام 1926 قد أسّس الجمهورية، فإن الاستقلال العام 1943 استكمل سيادتها. فأصبح الدستور دستور دولة مستقلة، وأُلغيت كل المواد المتعلقة بسلطة الانتداب.
كما جاء “الميثاق الوطني” ليضيف إلى النص المكتوب تسوية سياسية حول هوية الكيان اللبناني. كانت تلك التسوية أساسية، لكنها حملت معها أيضاً بذور أزمات لاحقة.
فمع الزمن، تحولت بعض التوازنات إلى اختلالات، وبعض الضمانات إلى مبررات للجمود، وبعض التفاهمات إلى أعراف تجاوزت النص.
ثم وقعت الحرب العام 1975، ودفع اللبنانيون على مدى نحو خمسة عشر عاماً ثمناً باهظاً لانهيار الدولة وانفجار التناقضات التي لم نعرف كيف نعالجها داخل المؤسسات. ومن قلب تلك االتجارب، ولدت العام 1989، “وثيقة الوفاق الوطني” المعروفة باتفاق الطائف. وأهمية هذا الاتفاق أنه لم يكن مجرد تسوية لإنهاء الحرب.
كان، في جوهره، محاولة جديدة للإجابة عن السؤال نفسه الذي رافق دستور العام 1926: كيف نُدير التعدد من دون أن يتحول إلى صراع على الدولة؟ فقد أكّد الطائف على مجموعة من المبادئ التي يفترض أن يقوم عليها تجديد عقدنا الوطني.
فأكد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء. وأكد أن نظامه ديموقراطي برلماني. وأنه قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.
وأعاد الطائف توزيع الصلاحيات. نقل السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، فكرّس مبدأ المسؤولية الجماعية. وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب. وأدخل الطائف إلى مقدمة الدستور مبادئ أساسية أصبحت جزءاً من تعريف الدولة نفسها: أكّد أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، وأنه لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، كما أكّد الحريات العامة والمساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات.
ولعل الأهم أن الطائف رسم أيضًا مسارًا لاستكمال بناء الدولة.
فقد نص على أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية. ونص على إنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، بحيث تتمثل فيه العائلات الروحية وتناط به القضايا المصيرية. وهذه الفكرة كانت محاولة للإجابة عن سؤال قديم في التجربة اللبنانية:
كيف نحمي الجماعات من دون أن يبقى المواطن مقيدًا طائفيًا في كل حياته السياسية؟ ونص الطائف أيضًا على تحقيق الإنماء المتوازن، وعلى اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، وإن لم يأتِ الدستور المعدل لاحقًا على ذكرها في نصه.
وفي السياق نفسه، ركّز الطائف على أهمية بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وهو الأساس الذي من دونه لا قيامة حقيقية للدولة: فالطائف لم يفصل الإصلاح السياسي عن استعادة الدولة لسلطتها، وعن حل الميليشيات وحصر القوة الشرعية في مؤسساتها.
وهذه ليست مسألة أمنية فحسب. إنها مسألة دستورية في جوهرها، إذ لا معنى لسيادة الشعب إذا تعددت مصادر السلطة خارج المؤسسات التي تمثله. ولا معنى لدولة القانون إذا لم يسرِ القانون على الجميع. ولا تكتمل سيادة الدولة إذا كانت قرارات سيادية، مثل قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني، تُتخذ خارج مؤسساتها الدستورية.
ولكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة:
هل طبّقنا الطائف فعلاً، أم أننا طبقنا منه ما أعاد توزيع السلطة، وأجلنا ما كان يفترض أن يطور الدولة؟ كرّسنا المناصفة، لكننا لم ننشئ مجلس الشيوخ.
أعلنا أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني، لكننا لم نضع حتى الآن المسار العملي لتحقيقه.
تحدثنا عن اللامركزية، لكنها بقيت مشروعاً مؤجلاً. تحدثنا عن إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الإدارة، باستثناء وظائف الفئة الأولى، فإذا بنا، في الممارسة، نوسّع هذه القاعدة لتشمل مختلف فئات الإدارة، وصولًا إلى أدنى الرتب فيها. وقلنا بعدم تخصيص أي وظيفة لأي طائفة، فإذا بمعظم الوظائف العامة تتحول، مع الوقت، إلى مواقع تكاد تكون محجوزة لطوائف محددة دون سواها.
وتحدثنا كثيراً عن دولة المؤسسات، فيما سمحنا في محطات كثيرة للأعراف ولتوازنات القوى بأن تتقدم على النص والمؤسسات. لذلك، إذا كنا فعلاً متمسكين بالطائف، فعلينا أولاً أن نطبقه بكامل بنوده.
ولا يجوز أن نعلن تمسكنا بالطائف فيما نترك جزءاً كبيراً من إصلاحاته معلقاً.
ولا يجوز أن يستخدم كل فريق ما يناسبه منه، ثم يتجاهل ما يتوجب عليه من التزاما.
وعلينا ثانيًا أن نعمل على تصحيح ما تم تشويهه من بنود الطائف عند التطبيق وسد الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، وأن نطوّر دستورنا، عند الحاجة، وفق قواعده لا بتجاوزه. وهنا أريد أن أكون واضحاً:
لقد كشفت تجربتنا عن مسائل لا يجوز أن نتهرّب منها. فقد شهدنا أزمات دستورية طويلة. شهدنا تعطيلاً في انتخاب ثلاثة رؤساء للجمهورية على التوالي. وشهدنا أشهراً تطول قبل أن نتمكن من تشكيل الحكومات. وشهدنا سجالات حول حدود المهل الدستورية، ومعنى تصريف الأعمال.
وشهدنا خلافات حول تفسير بنود من الدستور وآليات الفصل فيها. هذه مسائل ينبغي أن نناقشها ونبتّ فيه. هذه ليست أسئلة تقنية. إنها في صلب مستقبل الدولة.
فلا يمكن لأي دولة أن تستمر إذا أصبح التعطيل جزءاً من قواعدها غير المكتوبة.
وهنا تكمن أهمية سدّ ثغرات الطائف والاتفاق على تفسير أحكامه، بل ومراجعتها وتطويرها كلّما اقتضت الحاجة. وهنا نعود إلى الفكرة التي بدأت بها. الدستور اللبناني ابنُ تعدّدٍ. وهذا ليس موطنَ ضعفه. بل يمكن أن يكون مصدر قوته.
ضعفه يبدأ عندما يتحول تعدد المجتمع إلى تعدد في مراكز القرار التي لا يجمعها مرجع واحد. فلا تعارض بين حماية التعدد وبناء الدولة. ولا تعارض بين احترام الطائف وإصلاح النظام. ولا تعارض بين الوفاء للدستور وتطويره.
على العكس. الدولة هي التي تحمي التعدد. والإصلاح هو الذي يحمي الطائف من الجمود. وتطوير الدستور هو الذي يحافظ على قدرته على أداء وظيفته. لذلك، فإن أفضل تكريم لمئوية الدستور ليس أن نحتفل بعمره. بل أن نحقق غايته. أن تكون لدينا دولة قوية بالقانون، لا قوية على القانون. دولة تحمي الحرية لأنها سيدة. وتحمي التعدد لأنها عادلة. وتطبق القانون لأنها تمتلك وحدها السلطة الشرعية. الدولة هي الضمانة. والدستور هو عقد هذه الضمانة. بعد مئة عام، علينا أن نستعيد هذا المعنى. فأفضل ما نكرّم به الدستور في مئويته، أن نعيد إليه دوره ومعناه.