من البرازيل إلى لبنان… شبكة سرّية لتجنيد مجرمين لصالح حزب الله!

0
8

كشف تقرير إسرائيلي عن أسلوب جديد يُنسب إلى حزب الله في تجنيد عناصر لتنفيذ عمليات خارج لبنان، يقوم على استقطاب أصحاب السوابق الجنائية في أميركا اللاتينية، ولا سيما الذين يعانون ضائقة مالية ويحملون ضغينة تجاه السلطات القضائية، قبل نقلهم إلى لبنان لتلقي تدريبات خاصة وإعادتهم إلى بلدانهم لاستطلاع أهداف يهودية وإسرائيلية محتملة.

وبحسب تقرير أعدّته الصحافية دانييل غريمان-كينارد في صحيفة “جيروزاليم بوست”، استناداً إلى تقييم جديد صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن الحزب بات يعتمد بصورة متزايدة على أشخاص لا تربطهم به علاقات عقائدية أو تنظيمية سابقة، بما يتيح له، وفق التقييم، التنصل من المسؤولية عن أي هجمات محتملة.

وأعدّ التقييم المدعي العام الفيدرالي البرازيلي لوكاس غوالتييري، المتخصص في الجريمة المنظمة واستخدام حزب الله للشبكات الإجرامية، مستنداً إلى معطيات كشفتها عملية “ترابيتشي” لمكافحة الإرهاب، التي أطلقتها الشرطة الفيدرالية البرازيلية في تشرين الثاني 2023 بدعم من جهاز الموساد الإسرائيلي.

وأظهرت التحقيقات، وفق التقرير، ما يشبه “خط إنتاج” للعناصر، حيث لا يقتصر الأمر على استئجار منفذين لعمليات اغتيال، بل يشمل تجنيد أشخاص لا تربطهم أي صلة سابقة بحزب الله، وإرسالهم إلى لبنان للتدريب، ثم إعادتهم إلى بلدانهم لجمع معلومات عن مواقع وشخصيات إسرائيلية ويهودية.

وأشار غوالتييري إلى أن المجندين كانوا يبحثون تحديداً عن مدانين جنائياً يعانون أوضاعاً مالية صعبة، ويحملون شعوراً بالانتقام من القضاء. وكشفت تسجيلات صوتية اعترضتها السلطات مناقشات بين مجندين بشأن استقطاب أشخاص سبق أن دخلوا السجن ويشعرون بأن لديهم حسابات يريدون تصفيتها مع المحاكم.

وبحسب التقييم، فإن اختيار أشخاص لا تربطهم صلات عقائدية أو شخصية بحزب الله أو لبنان قد يسمح للحزب بنفي علاقته بأي اعتداءات، وتصويرها على أنها جرائم كراهية نفذها متطرفون بصورة فردية.

ولفت التقرير إلى أن استعانة حزب الله بعناصر من خارج تنظيمه في أميركا اللاتينية ليست جديدة، مستشهداً بإبعاد مجرمين اثنين عام 2021 بعدما استأجرهما الحزب، وفق المعطيات الواردة، لاستهداف إسرائيلي في العاصمة الكولومبية بوغوتا.

وفي تفاصيل التحقيق البرازيلي، برز اسم لوكاس باسوس ليما، الذي أعادت المحكمة العليا للعدل في البرازيل تثبيت إدانته الشهر الماضي، بعدما كانت محكمة فيدرالية قد اعتبرت أن مشاركته في شبكة تستهدف اليهود والإسرائيليين كانت مدفوعة بالمكاسب المالية وليس بالإرهاب.

وكشفت التحقيقات أن ليما عاد من لبنان وبحوزته أكثر من 5000 دولار نقداً يصعب تتبع مصدرها.

وحذّر غوالتييري من أن عدم إدانته بالإرهاب كان يمكن أن يجعل البرازيل بيئة متساهلة مع أنشطة الحزب، ويسمح لأشخاص يشاركون عن علم في مخططات إرهابية بدافع الربح الشخصي بالإفلات من العقوبات الأشد.

أما على مستوى التمويل، فأشار التقرير إلى اعتماد متزايد على عائدات الشبكات الإجرامية في أميركا اللاتينية، كاشفاً أن متاجر لبيع التبغ في البرازيل ساهمت في تمويل تذاكر سفر المجندين إلى لبنان.

وبدأت خيوط القضية عندما رصد مفتشو الضرائب متجراً للتبغ داخل السوق المركزية في مدينة بيلو هوريزونتي يبيع سجائر إلكترونية محظورة. وفي تشرين الأول 2023، أُحيل الملف إلى شرطة مكافحة الإرهاب، بعدما أثار تحذير صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي بشأن شبكة مالية إجرامية تموّل حزب الله قلق السلطات البرازيلية.

وتبيّن أن المتاجر مسجلة باسم حسين عبد المجيد، لكن التحقيقات خلصت إلى أن المشغّل الفعلي هو شقيقه محمد خير عبد المجيد، وهو سوري المولد يحمل الجنسية البرازيلية.

كما ورد في مذكرة الـFBI اسم هيثم حسين دياب، وهو لبناني المولد حاصل على الجنسية البرازيلية، بعدما عُثر لاحقاً على نسخة من جواز سفره وحجوزات سفر مرتبطة به ضمن مساحة التخزين السحابية التابعة لعبد المجيد.

ويُعتقد أن محمد خير عبد المجيد تواصل مع 5 برازيليين على الأقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتكفّل بنفقات رحلات قصيرة لهم إلى بيروت، شملت الإقامة في فنادق فاخرة.

وخلال وجودهم في لبنان، تلقى هؤلاء، بحسب التحقيقات، تدريبات مزعومة على أساليب العمل السري والاتصالات غير التقليدية، بينها استخدام إشارات جسدية للتعارف، والاعتماد على حسابات بريد إلكتروني مشتركة لتبادل الرسائل عبر تركها في مجلد المسودات من دون إرسالها.

وطُلب منهم أيضاً تصوير مواقع سياحية لبنانية لتدعيم رواية مفادها أن زياراتهم كانت لأغراض سياحية.

وكان ليما من بين الأشخاص الذين جرى تجنيدهم عبر شبكة عبد المجيد، إذ سافر إلى لبنان مرتين خلال عام 2023.

وبعد رحلته الأولى، أظهرت المعطيات التي أوردها التقييم أنه حدّد المواقع الجغرافية لـ3 معابد يهودية وصوّرها، إلى جانب مقبرة يهودية والسفارة الإسرائيلية وحاخام في العاصمة برازيليا ومحيطها.

كما خضع لتدريبات على استخدام الأسلحة النارية، واشترى أجهزة اتصال لاسلكية ومعدات مراقبة يصعب تتبعها، وتواصل مع طيار للاستفسار عن مسارات محتملة للانسحاب تتجاوز إجراءات مراقبة الهجرة.

وفي جانب آخر من التحقيقات، تناول التقرير استخدام العملات المشفرة في شبكات مالية مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني.

وأشار إلى توقيف دانتي فيليبيني، وهو وسيط للعملات المشفرة في ساو باولو، ضمن قضية منفصلة لغسل الأموال في إطار عملية “كولوسوس”، بعدما تمكن من إنشاء 3 محافظ مستقلة للعملات الرقمية لمصلحة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله.

ووجّه الادعاء إليه تهماً تشمل غسل الأموال، والتهرب من ضوابط التعامل بالعملات الأجنبية، والانتماء إلى منظمة إرهابية، وتمويل الإرهاب.

وبحسب غوالتييري، تكشف هذه القضية أن الحزب لا ينظر إلى الاستعانة بشبكات خارجية بوصفها وسيلة لتنفيذ المهام فحسب، بل أيضاً فرصة لتجنيد عناصر جدد.

ولفت إلى أن فيليبيني سافر إلى بعلبك في كانون الثاني 2023، حيث أطلق النار من بنادق في التلال برفقة عناصر من حزب الله، قبل أن يبلغ أحد معارفه بأن تلك الرحلة شكّلت “تعميده” داخل التنظيم.

وشدد غوالتييري على أن أهمية هذه القضايا تكمن في أن الحزب لم يكن مضطراً إلى غسل أمواله الخاصة للالتفاف على العقوبات، بل استفاد، وفق تقييمه، من شبكات إجرامية قادرة على توفير التمويل والخدمات المالية.

ودعا السلطات إلى توجيه اتهامات مرتبطة بالإرهاب، إلى جانب الجرائم الجنائية الأخرى، متى توافرت الأدلة، محذراً من أن الاكتفاء بالملاحقات التقليدية قد يؤدي إلى التقليل من حجم أنشطة الحزب.

واعتبر أن قرار المحكمة العليا للعدل في البرازيل أرسي سابقة قضائية مهمة، إذ أكد أن الدافع المالي لا ينفي المسؤولية عن الإرهاب عندما يشارك المتهم عن علم في مخطط إرهابي، حتى لو لم يكن يتبنى أهداف الجهة التي يعمل لمصلحتها.

كذلك أوصى بتشديد الرقابة المالية على التحويلات المشبوهة بالعملات الرقمية والشركات الوهمية، ومواصلة تعقب الشبكات حتى بعد تجميد أصولها، وتوسيع الآليات الوطنية لتصنيف المنظمات الإرهابية.

ورغم الدور الذي أداه التعاون الدولي في عملية “ترابيتشي”، شدد غوالتييري على أن أدوات إنفاذ القانون المحلية تبقى أساسية لتفكيك الشبكات وملاحقة المتورطين، علماً أن اسم العملية يعني بالإسبانية “الأعمال المشبوهة”.

ويخلص التقرير إلى أن الخطورة الأساسية في الشبكات التي تناولتها التحقيقات لا تقتصر على قدرتها المزعومة على تنفيذ هجمات، بل تمتد إلى أسلوب التجنيد والتمويل والتدريب الذي يسمح بالاستعانة بأشخاص من خارج البيئة التنظيمية التقليدية، مع تعقيد مهمة إثبات الجهة التي تقف وراء أي عملية محتملة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا