دخلت إسرائيل، صباح اليوم الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026، يوماً انتخابياً بالغ الأهمية، مع فتح مراكز الاقتراع رسمياً عند الساعة السابعة صباحاً، إيذاناً بانطلاق انتخابات الكنيست السادس والعشرين، وسط تعبئة سياسية وأمنية ولوجستية واسعة، وترقّب لما ستكشفه صناديق الاقتراع عن مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والتوازنات داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
لكن بعيداً من المواجهة السياسية بين نتنياهو وخصومه، تكشف البيانات التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية عن حجم العملية الانتخابية، التي تشمل أكثر من 7.3 ملايين ناخب، وآلاف مراكز الاقتراع، ومئات ملايين أوراق التصويت، وعشرات آلاف العاملين والمراقبين، في واحدة من أكبر العمليات اللوجستية التي تشهدها إسرائيل.
وبحسب الأرقام الرسمية، يبلغ عدد أصحاب حق الاقتراع 7,331,981 ناخباً، موزعين على 12,018 صندوق اقتراع، فيما جرى إعداد نحو 18 ألف صندوق انتخابي ضمن التجهيزات اللوجستية، وتخصيص شبكة واسعة من المراكز المهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحضيرات لاستحقاق لا يقتصر على انتخاب 120 نائباً، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، في وقت تشهد فيه إسرائيل انقسامات سياسية حادة بشأن القضايا الأمنية والعسكرية والاقتصادية والعلاقة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية.
وتُظهر المقارنة مع انتخابات عام 2022 ارتفاعاً ملحوظاً في عدد أصحاب حق الاقتراع. ففي الانتخابات السابقة، بلغ عدد الناخبين المسجلين 6,788,804 ناخبين، مقابل 7,331,981 في الانتخابات الحالية، أي بزيادة قدرها 543,177 ناخباً، تعادل نحو 8% خلال أربع سنوات.
ويشكّل أصحاب حق الاقتراع اليوم نحو 71.15% من إجمالي السكان، الذين يُقدّر عددهم بنحو 10 ملايين و305 آلاف نسمة، مقارنة بنحو 70.31% في انتخابات 2022، عندما بلغ عدد السكان نحو 9 ملايين و656 ألف نسمة.
وتُعد نسبة المشاركة أحد أبرز المؤشرات التي ستراقبها الأحزاب الإسرائيلية خلال ساعات النهار. ففي انتخابات 2022، بلغت نسبة الاقتراع 70.63%، بعدما شارك 4,794,593 ناخباً، بينما بقي نحو مليوني ناخب مسجل خارج عملية التصويت.
وإذا تكررت نسبة المشاركة نفسها في انتخابات اليوم، فإن عدد المقترعين سيصل حسابياً إلى نحو 5.18 ملايين ناخب، في حين أن ارتفاع المشاركة إلى 75% سيرفع العدد إلى نحو 5.5 ملايين ناخب. وهذه حسابات افتراضية توضح أثر نسبة الإقبال، وليست توقعات انتخابية.
أما على المستوى التنظيمي، فقد أعلنت لجنة الانتخابات المركزية تجهيز 12,018 صندوق اقتراع موزعة في أنحاء إسرائيل، مع اعتماد شبكة واسعة من المواقع الانتخابية لتسهيل وصول الناخبين إلى مراكزهم المحددة مسبقاً.
وتشمل هذه الشبكة 6,209 صناديق اقتراع مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة، من بينها 3,621 صندوقاً مجهزاً بصورة خاصة، بما يسمح لفئات محددة من الناخبين بالإدلاء بأصواتهم وفق إجراءات تراعي احتياجاتهم.
ولا تتوقف الأرقام عند هذا الحد، إذ تضم العملية الانتخابية نحو 100 ألف عامل يتوزعون على إدارة المراكز، والإشراف على التصويت، والخدمات اللوجستية، ونقل المواد الانتخابية، والرقابة وفرز الأصوات، وفق المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية نقلاً عن لجنة الانتخابات.
ومن أبرز الأرقام أيضاً طباعة 450 مليون ورقة اقتراع، وهو عدد يفوق عدد الناخبين المسجلين بأكثر من 61 مرة، ويعود ذلك إلى طبيعة نظام التصويت الإسرائيلي، حيث تُطبع أوراق منفصلة للقوائم المتنافسة وتُوزع داخل مراكز الاقتراع، بدلاً من اعتماد ورقة موحدة تضم جميع المرشحين.
أما إجراءات الرقابة، فتشمل نحو 15 ألف كاميرا ضمن منظومة مراقبة النزاهة الانتخابية، إلى جانب آليات التدقيق في عمليات الاقتراع والفرز ونقل النتائج، تحت إشراف لجنة الانتخابات المركزية التي يرأسها قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرغ.
وتجري الانتخابات في ظل نظام التمثيل النسبي، حيث تُعد إسرائيل دائرة انتخابية واحدة، وتتنافس القوائم على مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعداً، وفق نسب الأصوات التي تحصل عليها كل قائمة بعد احتساب الأصوات الصحيحة واستبعاد القوائم التي لم تتجاوز العتبة الانتخابية.
وتبلغ نسبة الحسم 3.25% من الأصوات الصحيحة، وهي نسبة تعني أن القائمة التي لا تبلغ هذا الحد تُستبعد من توزيع المقاعد، مهما بلغ عدد الأصوات التي حصلت عليها.
وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة في الانتخابات الحالية، إذ إن مصير القوائم الصغيرة يمكن أن يؤثر في التوازن بين المعسكرات السياسية، خصوصاً عندما تكون الفوارق محدودة ويصبح تشكيل ائتلاف حكومي مرتبطاً بعدد قليل من المقاعد.
وكانت 38 قائمة قد تقدمت لخوض الانتخابات، وفق التقارير الانتخابية المنشورة، فيما تختلف فرصها في الوصول إلى الكنيست بحسب حجم قواعدها الانتخابية وقدرتها على تجاوز نسبة الحسم.
وتبدأ معظم مراكز الاقتراع عملها عند السابعة صباحاً وتُغلق عند العاشرة مساءً، أي بعد 15 ساعة من التصويت، بينما تعتمد بعض المراكز في التجمعات الصغيرة والمؤسسات الخاصة، ومنها المستشفيات والسجون، مواعيد مختلفة تمتد عموماً من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً.
وتشمل الترتيبات الخاصة أيضاً العسكريين والمرضى والسجناء وبعض الفئات التي لا تستطيع التصويت في مراكزها المعتادة، عبر آليات مخصصة تتيح احتساب الأصوات مع منع التصويت المكرر.
ويشكّل الإسرائيليون المقيمون خارج البلاد إحدى أبرز الفئات التي تتأثر بالنظام الانتخابي، إذ تشير تقديرات دائرة الإحصاء المركزية إلى وجود نحو 810 آلاف من أصحاب حق الاقتراع خارج إسرائيل، لا يستطيع معظمهم التصويت من الخارج، باستثناء فئات محددة، بينها الدبلوماسيون وبعض الموظفين والممثلين الرسميين.
وعليه، فإن العدد الإجمالي للناخبين المسجلين لا يعكس بالضرورة حجم الناخبين الموجودين فعلياً داخل إسرائيل يوم الاقتراع.
ومن المنتظر أن تبدأ القنوات التلفزيونية الإسرائيلية نشر استطلاعات الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع، فور انتهاء التصويت عند العاشرة مساءً، على أن تتبعها النتائج الأولية للفرز خلال الليل.
غير أن هذه الاستطلاعات لا تشكل نتائج رسمية، إذ تبقى عمليات فرز الأصوات الخاصة والمظاريف المزدوجة، إلى جانب توزيع المقاعد وفق القواعد الانتخابية، قادرة على تعديل النتائج الأولية، ولا سيما بالنسبة إلى القوائم القريبة من نسبة الحسم.
وبحسب الجدول الانتخابي الرسمي، يُفترض نشر النتائج النهائية في موعد أقصاه الرابع من تشرين الثاني المقبل، على أن يؤدي أعضاء الكنيست السادس والعشرين اليمين الدستورية في العاشر من الشهر نفسه.
وفي المحصلة، تُظهر البيانات أن إسرائيل أمام عملية اقتراع يشارك في تحديد نتائجها ملايين الناخبين، وتشغّل عشرات آلاف العاملين، وتستهلك مئات ملايين الأوراق الانتخابية، بينما يبقى الرقم السياسي الأكثر أهمية هو 61 مقعداً، أي الأغلبية المطلقة في الكنيست، التي تشكل الأساس المعتاد لبناء ائتلاف حكومي مستقر.
وبين ملايين الأصوات ومئات ملايين الأوراق الانتخابية، يبقى السؤال الذي ستجيب عنه نتائج الاقتراع: كيف ستتوزع المقاعد الـ120، ومن سيتمكن من جمع التأييد البرلماني اللازم لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة؟

