خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من السلطة مرّتين قبل أن يعود إليها، ليصبح صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل، بعدما أمضى نحو 19 عاماً في رئاسة الحكومة منذ تولّيه المنصب للمرة الأولى عام 1996.
وفي انتخابات الثلاثاء، يسعى نتنياهو إلى ولاية سابعة، في أول اقتراع تشريعي شهدته إسرائيل منذ هجوم “حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، الذي أعقبته الحرب المدمّرة على قطاع غزة.
وتمكّن ائتلافه الحاكم من إكمال ولاية من أربع سنوات، في سابقة لم تشهدها إسرائيل منذ أكثر من ثلاثة عقود. وجاء ذلك بعد ثلاث سنوات من انهيار الائتلافات وإجراء خمسة انتخابات مبكرة، أدخلت البلاد في دوامة من الشلل السياسي وتعطّل إقرار الموازنة.
وسبق لنتنياهو أن عاد إلى رئاسة الحكومة عام 2009، بعد عقد على خسارة حزبه السلطة. وفي عام 2021، أُبعد مجدّداً، قبل أن يعود بعد نحو 18 شهراً.
2021: نهاية 12 عاماً متواصلة في الحكم
خاض نتنياهو انتخابات آذار/مارس 2021 عقب انهيار حكومته بسبب الإخفاق في إقرار الموازنة، في وقت كان يواجه اتهامات بالاحتيال والرشوة وخيانة الأمانة، ويقود ائتلافاً هشاً. ورأى محلّلون حينها أن الذهاب إلى الانتخابات كان رهاناً لتعزيز قبضته على السلطة قبل محاكمته.
لكن نتائج الاقتراع لم تمنحه المقاعد اللازمة للبقاء في الحكم. وبعد أشهر من المفاوضات، نجحت قوى متباينة يجمعها رفض استمرار نتنياهو في تشكيل ائتلاف بأغلبية مقعد واحد في الكنيست، منهيةً 12 عاماً متواصلة له في رئاسة الحكومة.
وتولّى نفتالي بينيت، السياسي اليميني وحليف نتنياهو السابق، رئاسة الحكومة بموجب اتفاق مع يائير لابيد، السياسي الوسطي والإعلامي السابق، الذي تولّى وزارة الخارجية.
غير أن الائتلاف المؤلّف من ثمانية أحزاب عجز عن الصمود أمام تناقضاته. وبعد انشقاق نائبين يمينيين وتمرّد نواب من اليسار في تصويتات حاسمة، انهارت الحكومة في حزيران/يونيو 2022.

2022: عودة بتحالف مع اليمين المتشدّد
أعادت انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2022 نتنياهو إلى السلطة، بعدما اتجه ناخبون يمينيون نحو أحزاب أكثر تشدّداً، على حساب قوى الوسط واليسار.
وتحالف حزب “الليكود” مع أحزاب اليمين المتطرّف والأحزاب اليهودية المتشدّدة دينياً، ليضمن أغلبية واضحة في الكنيست ويشكّل الحكومة الأكثر تشدّداً ومحافظة دينية في تاريخ إسرائيل.
وحصدت أحزاب الائتلاف 48.4٪ من الأصوات، لكنها نالت أغلبية برلمانية بعدما أخفق حزبان معارضان لنتنياهو، أحدهما يساري والآخر قومي عربي، في تجاوز عتبة الحسم بفارق ضئيل. وأظهرت تلك النتيجة كيف يمكن لتحوّلات محدودة في أصوات الناخبين أن تُحدث تغييراً كبيراً في توزيع المقاعد.
ومنذ عودته، تسارع انزياح إسرائيل نحو اليمين، فيما أثارت خطة حكومته لتعديل النظام القضائي احتجاجات واسعة. كذلك، تصدّرت الجدلَ السياسي تساؤلاتٌ بشأن مسؤولية الحكومة عن الإخفاق في منع هجوم 7 تشرين الأول.
وفي نيسان/أبريل، أعلن لابيد وبينيت عزمهما إحياء تحالفهما الذي شكّلاه عام 2021، لخوض انتخابات 2026. ويواجه نتنياهو أيضاً رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي يقود أكبر أحزاب المعارضة.
تشكيل حكومة جديدة
والاربعاء،تعهد نتنياهو ومنافسه آيزنكوت، بتشكيل حكومة جديدة رغم إخفاق الطرفين في تحقيق أغلبية.
وشهد الثلاثاء إقبالا كثيفا للناخبين هو الأعلى منذ عقود للإدلاء بأصواتهم في استفتاء على فترة حكم نتنياهو.
وأظهرت استطلاعات رأي لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، تقاربا شديدا بين ائتلافي آيزنكوت، وهو قائد عسكري سابق دخل معترك السياسية حديثا، ونتنياهو اليميني المتشدد، حيث لم يتمكن أي منهما من الاقتراب من عتبة الأغلبية البرلمانية بحسب ما نقلت وكالة “فرانس برس” فيما أفادت “يسرائيل هيوم” بأن “بعد فرز نحو نصف الأصوات، كتلة نتنياهو تحصل على 55 مقعدا وكتلة التغيير على 50”.
وجاءت أبرز المكاسب لصالح الأحزاب العربية الإسرائيلية التي خرج ناخبوها المعارضين لنتنياهو بأعداد كبيرة، حيث كان الأخير يحذر باستمرار من أن هذه الأقلية قد تُضعف التوجه القومي اليهودي لدولة إسرائيل.
وتعهد نتنياهو فجر الأربعاء بتشكيل حكومة جديدة، قائلا إن “الأغلبية اليهودية والصهيونية يجب أن تتحد”.
وجاءت كلمة رئيس الوزراء البالغ 77 عاما مقتضبة بشكل غير معتاد، ولم يعلن فيها فوزه بشكل صريح.
وبدلا من ذلك، استعرض أسماء قادة قامت إسرائيل بتصفيتهم بناء على أوامره، كما ألمح مجددا إلى استعداده لشن حملة قصف ثالثة ضد إيران بالتعاون مع حليفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال نتنياهو لصحافيين، بعد أيام من التلويح بتهديدات بحملة قصف جديدة ضد الجمهورية الإسلامية “إسرائيل لديها فرصة فريدة مع شريكنا الرئيس ترامب للقضاء إلى الأبد على التهديد الوجودي الذي تمثله إيران“.
من جانبه، وجه آيزنكوت في كلمة أمام أنصاره في تل أبيب تحذيرا مبطنا لنتنياهو الذي يرى مراقبون أنه قد يستغل حالة الحرب للدفع نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية.
وقال آيزنكوت متوجها إلى نتنياهو: “إيّاك أن تجرؤ على استغلال أمن إسرائيل لخدمة مصالحك السياسية”، في إشارة على الأرجح إلى تهديداته بتوجيه ضربات جديدة لإيران.
وفي رسالة وجهها إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، أكد آيزنكوت أنهم يخدمون الدولة لا نتنياهو الذي وصفه بأنه “رئيس وزراء تصريف أعمال يفتقر إلى التفويض وإلى ثقة الشعب”.
وقد يستغرق تشكيل أيّ ائتلاف حكومي أسابيع أو أشهرا، مع احتمال إجراء انتخابات جديدة إذا فشلت المفاوضات.

