عون يحاول منع الحرب… وحزب الله يتحضّر لها!

0
6

في وقت يكثّف فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون مساعيه الدبلوماسية لتجنيب لبنان حرباً جديدة مع إسرائيل، تتحدث تقارير أمنية عن استعدادات عسكرية يجريها “حزب الله” منذ ثلاثة أشهر تحسباً لمواجهة إقليمية واسعة، في مشهد يكشف حجم التناقض بين جهود الدولة اللبنانية لمنع التصعيد واحتمالات انجرار البلاد مجدداً إلى حرب تتجاوز حدودها.

فقد نشر موقع “عرب نيوز” اليوم الجمعة 30 تشرين الأول تقريراً موسعاً للصحافي أنان تيلو، تناول فيه المأزق الذي تواجهه السلطات اللبنانية بين التمسك بالدبلوماسية والمطالب الإسرائيلية بنزع سلاح “حزب الله”، في مقابل رفض الحزب التخلي عن ترسانته العسكرية واستمرار الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.

ويستند التقرير إلى معطيات سبق أن كشفتها وكالة “رويترز” في 26 تشرين الأول، نقلاً عن مصادر أمنية لبنانية مطلعة على نشاط الحزب، تفيد بأنه أمضى الأشهر الثلاثة الماضية في التحضير لاحتمال استئناف المواجهات مع إسرائيل، مستفيداً من فترة التهدئة منذ حزيران لإعادة بناء بعض قدراته العسكرية.

وبحسب المصادر التي تحدثت إلى “رويترز”، ركّز الحزب على تأمين المتفجرات وإنتاج المسيّرات القادرة على استهداف المواقع الإسرائيلية، إلى جانب إعادة تنظيم هياكل القيادة والسيطرة التي تضررت خلال المواجهات السابقة. كما تحدثت المصادر عن حصوله على تمويل إيراني بعشرات ملايين الدولارات لدعم هذه الجهود.

إلا أن المكتب الإعلامي لـ”حزب الله” رفض، في رده على الوكالة، الرواية المتعلقة بانهيار منظومات القيادة والسيطرة لديه، مؤكداً أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية يمنح المقاومة، من وجهة نظره، حق مواجهة هذا الوجود.

وتأتي هذه المعطيات في وقت أعاد فيه الرئيس عون التأكيد، خلال استقباله وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان الخميس، أن لبنان متمسك بالحلول الدبلوماسية، بعدما أثبتت الحروب، بحسب موقفه، عجزها عن تحقيق الأهداف المرجوة منها.

وكشف عون أن المفاوضات مع إسرائيل لم تحقق حتى الآن التقدم المطلوب في الملفات الأربعة التي وضعها لبنان على الطاولة، وهي وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وترسيم الحدود، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين.

وهنا تبرز العقدة الأساسية التي يتوقف عندها التقرير الأجنبي: الدولة اللبنانية مطالبة دولياً بمعالجة ملف سلاح “حزب الله”، لكنها لم تتمكن حتى الآن من انتزاع انسحاب إسرائيلي أو ضمانات أمنية كافية تساعدها على تعزيز موقعها في أي تفاوض داخلي بشأن السلاح.

وفي هذا الإطار، اعتبر أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة جورجتاون فيصل عيتاني، في حديث إلى “عرب نيوز”، أن ورقة الضغط الأساسية التي تمتلكها بيروت تكمن في علاقتها الإيجابية مع الولايات المتحدة، التي تأمل السلطات اللبنانية أن تتحول إلى ضغط أميركي فعلي على إسرائيل.

لكن عيتاني أشار إلى عقبة جوهرية تتمثل في انعدام الثقة الإسرائيلية بقدرة لبنان على تقديم الضمانات الأمنية المطلوبة، معتبراً أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يضعف صدقية الحكومة اللبنانية، ويعرّضها لاتهامات بتقديم تنازلات من دون الحصول على مقابل.

أما الخبير السياسي حسين شكر، فرأى أن الأزمة تتجاوز الانقسام الداخلي، لأن أياً من الأطراف اللبنانية لا يمتلك النفوذ الكافي لعزل البلاد عن الصراعات الإقليمية أو فرض ترتيبات أمنية على القوى الخارجية.

وبحسب شكر، فإن استمرار الوجود الإسرائيلي يعزز الحجة التي يستخدمها مؤيدو “حزب الله” للاحتفاظ بالسلاح، والقائمة على أن الدولة لم تتمكن من تأمين الانسحاب أو ضمان الحماية عبر الوسائل الدبلوماسية.

ويزداد هذا المأزق تعقيداً مع الموقف الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الذي جدد الأربعاء رفض البحث في تسليم سلاح الحزب، معتبراً أن الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة في حزيران يفتقر إلى الشرعية، ومؤكداً استمرار المقاومة في مواجهة أي اعتداء.

وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: الدولة تريد تثبيت التهدئة وتوسيع سلطتها الأمنية، وإسرائيل تتمسك بمطالبها المتعلقة بسلاح الحزب، فيما يرفض “حزب الله” التخلي عن قدراته العسكرية في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي، وسط مخاوف من أن تتحول أي مواجهة جديدة مع إيران إلى عامل تفجير للجبهة اللبنانية.

ولا تقتصر المخاطر على الجانب العسكري. فوفق الأرقام التي أوردها التقرير نقلاً عن المنظمة الدولية للهجرة، كان نحو 330 ألف شخص لا يزالون نازحين داخل لبنان حتى أواخر أيلول، بعدما عاد أكثر من 877 ألفاً إلى مناطقهم عقب موجة النزوح المرتبطة بالتصعيد العسكري في آذار الماضي.

وهذه الأرقام تعكس هشاشة الوضع الاجتماعي في بلد لا يزال يعاني تداعيات الحروب السابقة، فيما قد تؤدي أي مواجهة جديدة إلى موجة نزوح إضافية، وضغوط على البنية التحتية، وتعطيل التعافي الاقتصادي والمفاوضات المالية الدولية.

وحذّر عيتاني من أن تجدد القتال سيضعف فرص النمو الاقتصادي ويقوّض الثقة اللازمة للتوصل إلى اتفاق مالي دولي، بينما اعتبر شكر أن الخطر الأكثر حساسية قد يكون سياسياً واجتماعياً، نتيجة احتمال تعمّق الانقسامات الداخلية حول دور “حزب الله” وسلاحه.

وذهب شكر أبعد من ذلك، محذراً من احتمال سعي بعض الأطراف الداخلية إلى استغلال أي حرب جديدة لتصفية حساباتها مع الحزب، بما قد يحوّل الأزمة السياسية إلى مواجهة أمنية داخلية. وهو تحذير تحليلي، لا يستند التقرير إلى وقائع مثبتة تؤكد وجود خطة من هذا النوع.

وتكشف هذه القراءة الأجنبية أن المشكلة اللبنانية لم تعد مقتصرة على احتمال اندلاع حرب جديدة، بل باتت مرتبطة بقدرة الدولة على التأثير في القرارات التي قد تؤدي إليها.

فالمفاوضات مع إسرائيل لم تحقق اختراقاً، والضغط الدولي بشأن السلاح مستمر، و”حزب الله” يتمسك بخياره العسكري، بينما يبقى العامل الأميركي أساسياً في أي محاولة لمنع توسع العمليات الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن المعلومات عن إعادة تسليح الحزب واستعداده للمواجهة لا تعني أن قرار الحرب قد اتُّخذ، كما لا تثبت أن إيران طلبت منه فتح الجبهة اللبنانية في توقيت محدد. فالاستعداد العسكري لاحتمال التصعيد يختلف عن وجود قرار عملياتي ببدء الحرب.

وفي المحصلة، يضع التقرير لبنان أمام سؤال يتجاوز قدرة الدبلوماسية على إنتاج اتفاق مع إسرائيل: هل تستطيع الدولة اللبنانية منع اندلاع حرب جديدة إذا تدهورت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؟

وبين رهان عون على المفاوضات واستعدادات “حزب الله” التي تحدثت عنها المصادر الأمنية، يبقى لبنان أمام مفارقة خطيرة: السلطة تسعى إلى تجنّب الحرب، لكنها لا تملك وحدها مفاتيح منعها، فيما قد تكون البلاد بأكملها أمام تداعيات أي قرار عسكري يُتخذ خارج مؤسساتها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا