بقلم طوني نيسي – رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان.
لحظة تاريخية ستحدّد مستقبل لبنان
يقف لبنان اليوم أمام واحدة من أخطر المحطات المفصلية في تاريخه الحديث، حيث إنّ الحرب الإقليمية الدائرة، والتحوّلات العميقة في موازين القوى في الشرق الأوسط، والاهتمام الدولي المتزايد بلبنان، قد أوجدت فرصة تاريخية من شأنها أن تحدّد هوية وطننا وسيادته ونظامه السياسي وموقعه في المجتمع الدولي خلال العقد المقبل، وربما لأجيال قادمة، واضعةً اللبنانيين أمام سؤال مصيري لم يعد من الممكن تأجيل الإجابة عنه: أيّ لبنان نريد أن نبني، وأيّ موقع نريده لوطننا في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكّل نتيجة هذه التحوّلات؟
مشروعان مختلفان للبنان الواحد
إنّ النقاش الدائر اليوم يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، ليطال مشروعين مختلفين جذرياً لمستقبل الجمهورية اللبنانية: لبنان الميثاق الوطني والحياد والحرية والتعددية والعيش المشترك، حيث تتلاقى الحضارات والأديان والثقافات والجماعات المختلفة ضمن وطن واحد، من دون أن تفرض أيّ منها هويتها على الأخرى، في مقابل لبنان الذي قد ينشأ نتيجة المشروع العقائدي والعسكري لحزب الله، المستوحى تاريخياً من الثورة الإسلامية الإيرانية، والذي قد تتحوّل فيه منظمة مسلّحة تعمل خارج السلطة الحصرية للدولة إلى قوة تتمتّع بموقع شبيه بموقع الحرس الثوري الإيراني، فيما يُخشى أن يتراجع دور الجيش اللبناني والمؤسسات الدستورية إلى أدوار ثانوية في القرارات المتعلّقة بالدفاع الوطني والحرب والسلم.
وليست هذه المواجهة مواجهة بين الطوائف أو المذاهب، ولا خلافاً حول موقع الطائفة الشيعية التي تشكّل جزءاً أصيلاً لا يتجزّأ من الكيان اللبناني وتاريخه ومستقبله، بل هي خلاف جوهري حول طبيعة الدولة التي نريدها، وما إذا كان لبنان سيبقى جمهورية دستورية تعددية، أم سيستمر في التعايش مع سلطة عقائدية وعسكرية ترتبط التزاماتها الاستراتيجية بمراكز قرار تتجاوز مؤسسات الدولة اللبنانية وحدودها الوطنية.
القرارات الدولية: الأسس القانونية لاستعادة السيادة
لقد وضع المجتمع الدولي، من خلال قرارات مجلس الأمن الدولي 1559 و1680 و1701، أسساً قانونية ودبلوماسية مهمة لاستعادة السيادة اللبنانية، إذ تناولت هذه القرارات نزع سلاح الميليشيات، وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها، وترسيم الحدود، وإرساء الترتيبات الأمنية التي تحترم استقلال لبنان ووحدة أراضيه وسلامتها.
وهذه القرارات ليست مجرد وثائق دبلوماسية نستحضرها عند اندلاع كل حرب جديدة، بل تشكّل إطاراً دولياً قائماً يستطيع لبنان من خلاله تعزيز مؤسساته الدستورية، واستعادة حصرية السلاح بيد الدولة، وضبط حدوده، وإرساء الشروط الضرورية لاستقرار دائم، على أن يقترن تنفيذها باحترام جميع الأطراف المعنية لالتزاماتها، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية واحترام السيادة اللبنانية.
من الحروب الإقليمية إلى السلام الإقليمي
لقد وضعت المواجهات الإقليمية المستمرة لبنان أمام سؤال استراتيجي يتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر، ولا سيما بعد اتفاق الإطار الذي وُقّع في حزيران 2026 بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، والذي فتح مساراً دبلوماسياً تناول الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح المجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، رغم أن تنفيذ هذا المسار لا يزال موضع خلاف ولم يكتمل بعد.
ويفتح هذا المسار الباب أمام إمكانية الانتقال من اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة إلى ترتيبات أمنية متفاوض عليها، وتسوية النزاعات العالقة مع الدول المجاورة، وصولاً إلى اتفاقات سلام قادرة على وضع حد لعقود من المواجهات، بما يسمح للبنان بالمشاركة في الجهود الأوسع الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار والتعاون والتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط، بدلاً من بقائه ساحة مفتوحة للحروب والصراعات الإقليمية المتكررة.
الفرصة الدولية والعقد المقبل
يمتلك لبنان اليوم فرصة لتعزيز علاقاته مع العالم الديمقراطي الحر، وتوسيع تعاونه مع المؤسسات الدولية، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة بناء اقتصاده، واستعادة دوره التاريخي جسراً للتلاقي بين الحضارات، وهي فرصة قد تمتد إلى ما بعد الأزمة الراهنة بسنوات طويلة، إذا ما اقترنت بإصلاحات جدية، ومؤسسات فاعلة، وسياسة خارجية تقوم على السيادة والحياد والاستقلال في القرار الوطني، بدلاً من التبعية لمحاور إقليمية أو دولية.
وفي المقابل، فإن استمرار ارتباط لبنان بالاستراتيجية العسكرية الإقليمية لإيران يثير مخاوف جدية من بقائه عرضة للتداعيات السياسية والعسكرية والاقتصادية لمواجهات لا تملك مؤسساته الدستورية سلطة فعلية على قراراتها، الأمر الذي قد يطيل أمد عدم الاستقرار الذي دفع اللبنانيون ثمنه الباهظ على مدى عقود.
من القرار التاريخي إلى المسؤولية الوطنية
إنّ أهمية هذه اللحظة التاريخية لا تكمن فقط في حجم التحوّلات الإقليمية والدولية، بل في ضرورة ترجمتها إلى خطوات وطنية واضحة تبدأ بوضع جدول زمني معلن لتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان بمساعدة اممية، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وتفعيل المسارات الدبلوماسية لمعالجة النزاعات الحدودية واستعادة الأراضي اللبنانية، وصولاً إلى بحث إمكانات السلام مع دول الجوار والانخراط في الجهود الإقليمية الهادفة إلى إنهاء الحروب وإرساء الاستقرار.
وتقع على عاتق السلطات الدستورية والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني مسؤولية تحويل هذه الأولويات إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ، يقوم على مهل محددة وآليات مساءلة واضحة، ويحفظ حقوق جميع اللبنانيين من دون استثناء، لأنّ السيادة لا تتحقق بالشعارات وحدها، كما أنّ السلام لا يُبنى بالتمنيات، بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه وحماية نتائجه.
إنّ القرارات التي ستُتخذ اليوم قد ترسم معالم لبنان خلال السنوات العشر المقبلة، ولذلك فإنّ المطلوب هو نقاش وطني صريح ومسؤول حول مستقبل الجمهورية، تتاح فيه لجميع اللبنانيين فرصة المشاركة بحرية، بعيداً عن التهديد أو التخوين أو استخدام السلاح لفرض الخيارات السياسية، وصولاً إلى رؤية مشتركة تحدّد طبيعة الدولة وموقعها الإقليمي وعلاقاتها الدولية.
فلبنان الذي نريد بناءه لا تحدّده فقط التسويات التي تُعقد باسمه، بل تحدّده قدرة اللبنانيين على تحويل المبادئ التي يؤمنون بها إلى مؤسسات وقوانين وقرارات سيادية قابلة للتنفيذ، وعلى محاسبة المسؤولين عن تحقيقها.
وهكذا يمكن للبنان أن ينتقل من موقع التأثّر بالصراعات الإقليمية إلى موقع المساهمة في صنع السلام، ومن إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء دولة مستقرة، ومن انتظار المبادرات الخارجية إلى امتلاك مشروع وطني واضح، يحفظ رسالته التاريخية وطابعه التعددي ويؤمّن لأبنائه مستقبلاً من الحرية والكرامة والأمان.

