في لبنان، ليس السؤال دائمًا: لمن تنتمي؟ بل السؤال الأخطر: لمن تكون وفيًّا حين تتعارض مصلحة جماعتك مع مصلحة وطنك؟
رمزي ابو خالد – كاتب سياسي

منذ عقود، يعيش لبنان أزمة ولاء لا تقلّ خطورة عن أزماته السياسية والاقتصادية. أزمة تتجلّى كلّما تعارضت مصلحة الدولة مع مصالح الطوائف، أو اصطدمت السيادة بحسابات الخارج، أو أصبح الوطن تفصيلًا في مشروع سياسي يتجاوز حدوده.
ازدواجية الولاء في لبنان ليست حالة استثنائية، ولا ظاهرة تقتصر على فريق دون آخر. إنّها مرض مزمن تتغيّر أعراضه بحسب المرحلة، وتتعدّد تبريراته بحسب هوية المريض السياسي.
فريق يرى في ارتباطه بمحور خارجي ضمانةً لوجوده وحمايةً لهويته، وفريق آخر يستقوي بعاصمة إقليمية أو دولية لموازنة خصومه في الداخل، وفريق ثالث يرفع شعار السيادة، لكنه يصمت عن انتهاكها حين يكون الفاعل حليفًا، ويستحضرها بأعلى صوته حين يكون الخصم مسؤولًا.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من مجرّد علاقة بالخارج. فالتحالفات الدولية والإقليمية ليست، في حدّ ذاتها، دليلًا على الخيانة، كما أنّ الانفتاح على الخارج لا يتناقض بالضرورة مع السيادة. تبدأ المشكلة حين يتحوّل الخارج إلى مرجعية تتقدّم على الدولة، وحين يصبح القرار الوطني خاضعًا لحسابات لا تخضع لمساءلة اللبنانيين.
ازدواجية الولاء ليست مجرّد امتلاك علاقات خارجية، بل تكمن في منح الخارج حقّ تقرير ما ينبغي أن يكون قرارًا لبنانيًّا مستقلًّا.
والأخطر من الارتباط بالخارج هو القدرة على تبريره أخلاقيًّا وسياسيًّا. فكلّ فريق يمتلك روايته الخاصة التي تبرّر ارتباطاته، ويحتفظ لنفسه بحقّ تعريف الخيانة والسيادة والمقاومة والاستقلال. أمّا خصمه، فكلّ علاقة تربطه بالخارج تصبح ارتهانًا، وكلّ تنازل يصدر عنه يصبح خيانة.
وهكذا، يغيب المعيار الوطني الواحد، وتحلّ مكانه معايير متناقضة تتبدّل بحسب موقع المتكلّم من السلطة، وهوية الحليف والخصم.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن طبيعة الدولة اللبنانية نفسها؛ دولة أضعفتها المحاصصة، وقيّدتها الزعامات، وتراجعت فيها المؤسسات أمام شبكات المصالح والانتماءات. وحين يفقد المواطن ثقته بدولته، يبحث عن ضمانة بديلة، وحين تتحوّل هذه الضمانة إلى سلطة موازية، تصبح الدولة أضعف، ويصبح المجتمع أكثر انقسامًا.
هنا تتدخّل الطائفية، لا بوصفها مجرّد انتماء ديني أو اجتماعي، بل باعتبارها آلية سياسية لإعادة إنتاج الخوف. تخشى كلّ جماعة أن تتنازل وحدها، ويقنع كلّ زعيم جمهوره بأنّ ارتباطه بالخارج ضرورة، وأنّ التخلّي عن أوراق القوة يعني تسليم البلاد إلى الخصم.
وباسم الحماية، يستمرّ الارتهان. وباسم السيادة، تُبرَّر انتقائية السيادة. وباسم الواقعية السياسية، يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وتُؤجَّل الدولة إلى أجل غير مسمّى.
لكن هل تكمن المشكلة في تعدّد الولاءات، أم في غياب الولاء الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع؟
من حقّ اللبنانيين الاختلاف في أفكارهم وانتماءاتهم السياسية، كما يحقّ لهم تأييد تحالفات إقليمية ودولية. فالديمقراطية لا تفرض رأيًا واحدًا، ولا تشترط تطابق المواقف. لكنّها تفترض حدًّا أدنى لا يجوز تجاوزه: أن تكون الدولة صاحبة القرار السيادي، وأن يخضع الجميع لقانونها، وأن تكون مصلحة اللبنانيين وحقوقهم وأمنهم أساس أيّ خيار سياسي.
فالدولة لا تُبنى حين يتخلّى اللبنانيون عن اختلافاتهم، بل حين يتّفقون على ألّا يتحوّل اختلافهم إلى ذريعة لتفكيكها.
إنّ علاج ازدواجية الولاء لا يبدأ بتخوين فريق أو تبرئة آخر، بل بإخضاع الجميع لمعيار واحد. معيار لا يميّز بين سلاح يفرض قرارًا خارج المؤسسات، أو تدخل خارجي يوجّه القرار السياسي، أو خطاب سيادي يتغيّر بحسب هوية المتدخّل.
فلا سيادة انتقائية، ولا استقلال يُقاس بمعايير مزدوجة، ولا دولة يمكن أن تقوم فيما تتنافس القوى السياسية على تحديد مرجعيات تتجاوزها.
لبنان لا يحتاج إلى إجماع في السياسة، بل إلى إجماع على مرجعية الدولة. ولا يحتاج إلى مواطنين متشابهين في أفكارهم، بل إلى مواطنين متساوين في حقوقهم وواجباتهم، يحتكمون إلى مؤسسات واحدة وقانون واحد.
إنّ أخطر ما في ازدواجية الولاء ليس أنّ اللبناني قد يختلف مع دولته، بل أن يصبح لكلّ فريق تعريفه الخاص للدولة، ولكلّ زعيم سيادته الخاصة، ولكلّ جماعة وطنها الذي لا يكتمل إلّا بانتصارها على الآخرين.
وعندها، لا يعود السؤال مَن يحكم لبنان، بل ما إذا كان لبنان، أصلًا، يُحكَم بوصفه دولة واحدة.
لأنّ المرض المزمن لا يصبح قدرًا أبديًّا، لكنّ الشفاء منه يبدأ بالاعتراف به؛ والاعتراف الحقيقي يقتضي أن نكفّ عن رؤية ازدواجية الولاء في خصومنا وحدهم، وأن نمتلك الشجاعة لمواجهتها حيثما وُجدت.
فإمّا أن يكون الولاء للبنان دولةً ومؤسساتٍ وقانونًا، وإمّا أن يبقى الوطن ساحةً تتنازعها الولاءات، فيما يدفع اللبنانيون ثمن صراعات لم يختاروا دائمًا أن يكونوا وقودًا لها.

