الانتخابات الأميركية ومستقبل لبنان: تغيّر موازين القوى أم تبدّل أدوات الضغط؟

0
6

شادي ديراني
باحث في الإدارة السياسية – جامعة جورج واشنطن

الانتخابات والديمقراطية: تنافس على السلطة واستمرارية الدولة

تُشكّل الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية محطة أساسية لتجديد الشرعية السياسية ومحاسبة السلطة وإعادة تشكيل موازين القوى. وما نشهده اليوم في الولايات المتحدة، كما شهدناه قبل أيام في إسرائيل، يعكس حيوية المنافسة السياسية، حيث تبقى صناديق الاقتراع المرجعية الأساسية لتحديد اتجاه السلطة، وإن لم تمنح بالضرورة أي فريق أكثرية مريحة.

لكن من المهم التمييز بين تغيّر الحكومات والأكثريات وبين استمرارية الدولة ومصالحها الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، ينبغي قراءة انعكاسات الانتخابات النصفية الأميركية على الشرق الأوسط عموماً، ولبنان خصوصاً.

أولاً: الانتخابات النصفية والسياسة الأميركية تجاه لبنان

أعتقد أن من الخطأ افتراض أن تبدّل الأكثرية داخل الكونغرس سيؤدي إلى انقلاب في السياسة الأميركية تجاه لبنان. فهناك تقاطع واضح بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول دعم سيادة الدولة اللبنانية، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وحصر السلاح بمؤسساتها الشرعية.

ما قد يختلف هو الأدوات والتكتيكات، سواء لجهة الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، أو وتيرة العمليات العسكرية في المنطقة، وتسريع مسارات التفاوض أو إبطائها.

ولا ننسى أننا أمام انتخابات نصفية، لا رئاسية. فالرئيس ترامب سيبقى ممسكاً بقيادة السلطة التنفيذية والسياسة الخارجية، وإن كان الكونغرس يمتلك صلاحيات مؤثرة في التشريع والتمويل والرقابة. وبالتالي، قد تتبدل قدرة الإدارة على تنفيذ بعض سياساتها، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير توجهها الاستراتيجي.

ثانياً: موازين القوى في الكونغرس والعلاقة مع إسرائيل

تُظهر الاستطلاعات تقدماً للديمقراطيين في السباق إلى مجلس النواب، فيما تبقى المنافسة على مجلس الشيوخ محتدمة، ولا يمكن حسم نتائجها قبل انتهاء الاقتراع.

لكن، أياً تكن الأكثرية المقبلة، فإن العلاقة الأميركية الإسرائيلية تتجاوز الأشخاص والأحزاب، فهي شراكة مؤسساتية راسخة، بُنيت على عقود من التعاون العسكري والاستخباراتي والاقتصادي والتكنولوجي. وقد تختلف أولويات الإدارات واشتراطاتها، دون أن يلغي ذلك المصالح الاستراتيجية التي تجمع الدولتين.

وفي تقديري، قد تدفع المرحلة المقبلة الإدارة الأميركية إلى تسريع بعض خطواتها الإقليمية، خصوصاً في ظل تعقيدات تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، واحتمال تصاعد التجاذبات داخل الكونغرس الأميركي بعد الانتخابات.

ثالثاً: سلاح حزب الله ومستقبل النظام الإيراني

أما سلاح حزب الله، فليس مجرد خلاف سياسي لبناني داخلي، بل قضية حق وطني ومطلب سيادي لأكثرية اللبنانيين الذين ينشدون دولة المؤسسات والقانون والعدالة والأمن والاستقرار. غير أن هذا الملف بات اليوم جزءاً من مواجهة استراتيجية أوسع مع النظام الإيراني ومشروعه الإقليمي.

وفي قراءتي، فإن القرار الاستراتيجي الأميركي والإسرائيلي قد اتُّخذ باتجاه إنهاء الوضعية الشاذة التي يمثلها النظام الإيراني بصيغته القائمة، وليس مجرد تقليص نفوذه أو احتواء أذرعه المسلحة. وهذا ما أستخلصه من طبيعة المواجهة العسكرية والسياسية الجارية واتجاهاتها.

صحيح أن هذا المسار قد يستغرق وقتاً، نظراً إلى تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي وارتباطاته بأسواق النفط والتضخم العالمي والتوازنات العسكرية وحسابات التسلح، وأن الحماسة لإسقاط النظام لا تتساوى بين واشنطن وتل أبيب وبقية العواصم الدولية. لكنني أعتقد أن المسألة باتت تتعلق بتوقيت التنفيذ وأدواته وتكاليفه أكثر مما تتعلق بالغاية الاستراتيجية نفسها.

وقد أظهرت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي أن تداعيات سياسات هذا النظام لا تقتصر على إسرائيل والولايات المتحدة، بل تطال أمن المنطقة واستقرارها برمّته.

ومن هنا، لا يمكن فصل مستقبل حزب الله عن مستقبل النظام الإيراني. ففي تقديري، أصبح إنهاء الوضع العسكري المستقل لحزب الله وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية جزءاً أساسياً من التحولات الإقليمية الجارية، ولا أرى أن تبدّل الأكثرية في الكونغرس سيغيّر هذه المعادلة الاستراتيجية.

رابعاً: المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والمرحلة المقبلة

دخلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مرحلة جديدة مع الاتفاق الإطاري الثلاثي برعاية واشنطن، لكن نجاحها يبقى مرهوناً بمعالجة الملفات الأساسية: الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها، وحصر السلاح والقرار العسكري بمؤسساتها الشرعية.

وقد تشكّل الأشهر المقبلة نافذة لتسريع هذا المسار، قبل أن تفرض التحولات السياسية في واشنطن وتل أبيب تعقيدات إضافية. لكن التسريع لا يعني بالضرورة التوصل إلى تسوية، خصوصاً مع استمرار التباينات حول ترتيب الالتزامات وتنفيذها.

التغيير يبدأ من الداخل

في المحصلة، قد تغيّر الانتخابات الأميركية موازين القوى داخل الكونغرس وأدوات الضغط ووتيرته، لكنها لن تغيّر بالضرورة الثوابت الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.

أما لبنان، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في هوية الأكثرية داخل الكونغرس، ولا في تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، بل في قدرة سلطته على اتخاذ القرارات السيادية المطلوبة.

فالديمقراطية تمنح الشعوب حق تغيير حكّامها، أما الدولة الحقيقية فهي التي تحافظ على سيادتها ومؤسساتها وقرارها الوطني، مهما تبدّلت الحكومات وموازين القوى.