لبنان – الولايات المتحدة: من الأزمة إلى الشراكة الاستراتيجية

0
18

بقلم: طوني نِيسّي
رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان

يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق تاريخي حاسم. فبعد أن كان يُعرف يومًا بـ”سويسرا الشرق الأوسط”، يرزح حاليًا تحت وطأة شللٍ سياسي عميق، وانهيار اقتصادي غير مسبوق، وتآكل مؤسسات الدولة، إضافة إلى حالة من عدم الاستقرار المستمر على حدوده. وعلى مدى عقود، تمّ تناول لبنان من زاوية الأزمة فقط. إلا أنه يسعى اليوم إلى صياغة سردية جديدة قائمة على السيادة، والتجدد، والاستقرار، والشراكة الاستراتيجية.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول في عزلة عن العالم. بل إنّ أحد أعمدة طريق لبنان نحو التعافي يكمن في تعزيز علاقته بالولايات المتحدة، لا بوصفه متلقيًا للمساعدة أو الشفقة، وإنما كشريك استراتيجي مستقبلي يساهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي.

دولة تملك مقومات النهوض رغم الأزمات:
على الرغم من التحديات الراهنة، لا يزال لبنان يملك خصائص نادرة في المنطقة. فهو يحتضن إرثًا تاريخيًا في العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، وثقافة راسخة في مجالي التعليم وريادة الأعمال، إضافة إلى جالية لبنانية منتشرة في أنحاء العالم ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة. وتمثل هذه العناصر قاعدة صلبة يمكن البناء عليها من أجل صياغة رؤية وطنية جديدة.
إن لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات أو الطموح. لكنه يحتاج اليوم إلى إعادة بناء الهياكل، وتعزيز سيادة الدولة، ودعم دولي فعّال لمؤسساته الشرعية.

الالتزام بالشرعية الدولية:
يرتبط تعافي لبنان ارتباطًا وثيقًا بالالتزام الكامل بالإطار الشرعي الدولي، بما في ذلك اتفاق الطائف، وقرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي يدعو إلى احترام سيادة لبنان وحلّ جميع الميليشيات، وقرار رقم 1680 الذي يؤكد على وحدة الأراضي اللبنانية، وقرار رقم 1701 الذي ينصّ على حصرية السلاح بيد الدولة، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب ومنع أي وجود مسلح خارج سلطته.
هذه القرارات ليست من الماضي فقط، بل تشكل خارطة طريق لمستقبل لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة. ويجب أن تبقى القوات المسلحة اللبنانية القوة الشرعية الوحيدة على أرض الوطن. وهذا ليس موقفًا سياسيًا، بل هو واجب سيادي يستند إلى القانون الدولي.

لبنان ومسار السلام في الشرق الأوسط:
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، لم يعد من الممكن للبنان أن يبقى على هامش مسارات السلام الإقليمية. إنّ البرنامج الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإحلال السلام في الشرق الأوسط، بما في ذلك اتفاقيات أبراهام، فتح بابًا جديدًا نحو الاستقرار، والتعاون الاقتصادي، والتكامل بين شعوب المنطقة بعد عقود من الصراع.
إنّ مصلحة لبنان العليا تقتضي دراسة الانضمام إلى هذه المبادرة ضمن إطار وطني سيادي ودستوري يحفظ حقوقه وحدوده ومصالحه العليا. إنّ خيار السلام العادل، إلى جانب الحياد الإيجابي، يشكل الطريق الأكثر حكمة لحماية لبنان من الحروب بالوكالة ومن صراعات المحاور الإقليمية.
ليس المطلوب من لبنان التنازل عن قضاياه، بل الخروج من منطق الحرب الدائمة والدخول في منطق الدولة الطبيعية، الدولة التي تعيش بسلام مع جيرانها، وتحفظ أمنها عبر الشرعية الدولية، وتبني مستقبلها من خلال التعاون والتنمية، لا من خلال الصراعات العسكرية.
إنّ تبنّي سياسة الحياد الفعّال، والانخراط في ديناميكيات السلام الإقليمي، سيمنح لبنان فرصة تاريخية للعودة إلى دوره الطبيعي كجسر بين الشعوب لا كجبهة صراع.

دور الولايات المتحدة:
لطالما أثبتت الولايات المتحدة أنّ دعم المؤسسات أكثر فاعلية واستدامة من تمكين الفصائل. واليوم، يناشدها لبنان أن تقف إلى جانب مؤسساته الشرعية، وسيادة القانون، والنظام الدولي.
لا ينبغي النظر إلى لبنان كدولة ضعيفة تحتاج إلى العون فحسب، بل كبوابة حضارية بين الشرق والغرب، ومركز تلاقي الثقافات، وشريك محتمل في إعادة بناء المنطقة واستقرارها.

التعليم كجسر استراتيجي:
في منطقة كثيرًا ما تفشل فيها السياسة، يبقى التعليم عنصرًا محايدًا ومؤثرًا بشكل عميق. وتعدّ الجامعات اللبنانية، مثل جامعة الروح القدس – الكسليك والجامعة الأميركية في بيروت وغيرها، ركائز للاستقرار الفكري والمعرفي في محيط مضطرب.
ويمكن تعميق التعاون من خلال برامج تبادل الأساتذة والطلاب، وإطلاق أبحاث مشتركة في مجالات إدارة المياه، والطاقة المتجددة، والحوكمة، وسيادة القانون، والدراسات الدينية والحوار بين الأديان، إضافة إلى برامج القيادات والدرجات المشتركة. كما يمكن إنشاء منتدى سنوي لبناني–أمريكي يُعنى بالتعاون الأكاديمي والعلمي.
ومن خلال المعرفة، يمكن تحصين الأجيال الجديدة ضد التطرف وتزويدها بالأدوات اللازمة لبناء مستقبل مزدهر.

من حالة إنسانية إلى شريك استراتيجي:
تمّ التعامل مع لبنان طويلًا كقضية إنسانية أكثر منها فرصة استراتيجية. لكن الحقيقة أن لبنان، إذا ما استعاد استقراره، يمكن أن يصبح مركزًا للدبلوماسية الأكاديمية في الشرق الأوسط، ونموذجًا للتعددية والتعايش، ونقطة ارتكاز لمشاريع شرق المتوسط.
إن دعم استقرار لبنان ليس مجرد عمل إنساني، بل هو استثمار استراتيجي في توازن المنطقة.

دور الجالية اللبنانية–الأمريكية:
يُعدّ اللبنانيون الأمريكيون أحد أقوى جسور التواصل بين البلدين. فملايين من أصول لبنانية يساهمون في نهضة الولايات المتحدة في مختلف المجالات: الطب، الهندسة، التعليم، التشريع، والريادة.
ويمكن إنشاء “مجلس استشاري لبناني–أمريكي لاستقرار وتنمية لبنان”، ليكون منصة استراتيجية غير سياسية تهدف إلى دعم إعادة بناء المؤسسات، وتمويل المشاريع والمنح، والمساهمة في إصلاح الحوكمة وتحسين صورة لبنان في الخارج. إنه استثمار في رأس المال البشري، وليس مجرد حنين للماضي.

دعوة إلى شراكة حقيقية:
لبنان لا يطلب صدقة، بل شراكة حقيقية قائمة على دعم مؤسساته الشرعية، والتعاون الأكاديمي، والمساعدة التقنية في مجالات الحوكمة وضبط الحدود، وتفعيل دور الجاليات اللبنانية في الخارج.
وفي المقابل، يلتزم لبنان بمواصلة الدفاع عن سيادته، ومناهضة أي سلاح خارج إطار الدولة، وإعادة بناء مجتمعه من خلال الحوار والمعرفة.

لقد أثبت التاريخ أن الدول الصغيرة قادرة على تحقيق تأثير كبير عندما تجد من يؤمن بها ويدعمها. ولبنان لم يفقد الأمل بنفسه. وهو اليوم يدعو الولايات المتحدة إلى أن تكون شريكًا له في مسيرة النهوض، لا راعيًا له، بل شريكًا في صناعة الاستقرار وبناء مستقبل سلام في الشرق الأوسط قائم على القوانين، والحياد، والتعاون، والاحترام المتبادل بين الشعوب والدول.