غم الغارات الإسرائيلية الأعنف منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وشملت 4 معابر حدودية بين لبنان وسوريا، إضافة إلى قصف مناطق أخرى في جنوب لبنان، رأت القراءات الإعلامية الإسرائيلية في التصعيد حزءاً من عمليات عسكرية روتينية لمواجهة “خروقات حزب الله” ومحاولاة ترميم قدراته العسكرية، أكثر من كونه مؤشراً بالضرورة إلى حرب أوسع على لبنان.
واعتبرت “الإذاعة العبرية الرسمية” أن قصف المعابر بين سوريا ولبنان، يثير علامات استفهامات بشأن ما إذا عاد “حزب الله” إلى “تهريب أسلحة وأمور أخرى”، خصوصاً أن السلطات السورية الجديدة تعارض ذلك بشدة، فيما وضعت إفادات عسكرية إسرائيلية الاستهدافات العنيفة في الساعات الماضية، وتحديداً المعابر الحديودية، في سياق مساعي إسرائيل لخنق “حزب الله” عسكرياً واقتصادياً عبر تعطيل “شبكة تهريب وسائل قتالية” للحزب، بموازاة اغتيال من أسمته تل أبيب “تاجر سلاح مركزي أدار عمليات نقل وتهريب في منطقة الحدود لصالح الحزب”.
واللافت أن إفادات المراسلين العسكريين الإسرائيليين لوسائل الإعلام العبرية، بدت قصيرة وأكثر حذراً في الآونة الأخيرة، حيث يروون جديد الهجمات الإسرائيلية على لبنان، بشكل خبري ومقتضب، من دون أي استفاضة أو قراءة أو نقل معلومات عن مصادر عسكرية وأمنية، ومن غير المستبعد أن تكون الرقابة العسكرية ألزمتهم بذلك بدعوى “حساسية المرحلة”، بهدف منع تكون أي صورة واضحة لـ”حزب الله” وإيران وغيرهما، بشأن ما يجول في عقل إسرائيل، وتصرفاتها المحتملة في قادم الأيام تجاه لبنان وساحات أخرى.
وأشار محللون إسرائيليون في أحاديثهم لمحطات التلفزيون والإذاعة العبرية، إلى أن ما تفعله إسرائيل في لبنان، يبقى “روتينياً” تحت عنوان “استهداف كل خرق لحزب الله”، لكن توسيع الضربات العسكرية إلى حرب موسعة، مازال مؤجلاً نتيجة التوتر الأميركي مع إيران. وتبرز المرحلة الحالية كـ”فترة مراقبة” إسرائيلية لتطورات ملف إيران والاستعداد لسيناريوهاته المحتملة.
والحال أن التنويه لفرضية عدم شن حرب واسعة على لبنان في الأسابيع القريبة، لا يعني بالضرورة أن إسرائيل لن تنفذ عمليات أمنية واستخباراتية في أي منطقة فيه، كما لا يستبعد احتمال عودة الحرب الشاملة في الأشهر القليلة القادمة.
ولا يمكن حسم التنبؤ بالسلوك الإسرائيلي، على اعتبار أن تجربة السنتين الأخيرتين، بينت أن تل أبيب تعتمد أسلوب المفاجأة في تصعيده الدراماتيكي تجاه لبنان وأماكن أخرى. ورغم ذلك، يجمع الإعلام العبري على أن تصعيد الهجمات الإسرائيلية، لا يشمل بيروت هذه الأيام، وأن الأخيرة بحاجة إلى تنسيق أميركي إسرائيلي مسبق، كما أن إيران تفرض نفسها كعنوان رئيسي للمشاورات الأمنية الدائمة في تل أبيب، بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ورغم ذلك، تطرح الأجهزة الأمنية الإسرائيلية موضوع لبنان خلال نقاشاتها، ضمن تقييماتها للملف الإيراني، وتجلى ذلك أيضاً من خلال الرسائل القادمة من الغارات الإسرائيلية العنيفة، وهو ما يمكن استنتاجه من تقرير لصحيفة “معاريف” التي نقلت عن الضابط المتقاعد من الاستخبارات الإسرائيلية، جاك نيريا، وهو من أصول لبنانية، حينما ركز على رسائل إيران عبر زيارة وزير خارجيتها عباس عراقجي لبيروت، الشهر الجاري، وما أعقبها من “خطاب متشدد” لأمين عام “حزب الله” نعيم قاسم، بشأن عدم التخلي عن السلاح.
ومعنى هذا، أن الحرب الواسعة على لبنان، تبدو مرهونة الآن بخطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، فلو قرر تنفيذ ضربته، لمحت تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن تل أبيب ستسارع إلى شن هجوم كبير على “حزب الله”، عند حلول ساعة الصفر للضربة الأميركية المحتملة، وليس قبلها، بذريعة تحييد أي احتمالية لتدخل الحزب لصالح إيران. وقال المراسل العسكري لتلفزيون “مكان” العبري، مؤخراً أن واشنطن في حال قررت قصف طهران، ستبلغ إسرائيل بذلك قبل التنفيذ بساعات، لتمكينها من أخذ الاستعدادات اللازمة.
وقالت “معاريف” أن تقييمات أمنية في الدولة العبرية، لا تستبعد قيام “حزب الله” بمساندة محتملة تهدف إلى استنزاف موارد الجيش الإسرائيلي، وإجباره على الإبقاء على قواته على طول الحدود اللبنانية بدلاً من تركيز كامل قدراته في مواجهة إيران، ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان تصعيد إسرائيل هجماتها، كما حصل في اليومين الأخيرين، يهدف أيضاً إلى عدم المحافظة على وتيرة محددة للغارات، منعاً لتحول الأمر إلى مجرد استهداف “روتيني” اعتاد عليه “حزب الل”ه وكل لبنان؟
وقالت مواقع إعلامية عبرية إن الغارات الواسعة على المعابر الحدودية في الهرمل بين لبنان وسوريا، شكلت رسالة مباشرة إلى طهران وبيروت ودمشق، مفادها أن إسرائيل لن تسمح لـ”اتفاق الدمج السوري” أو الانفتاح الدولي على دمشق، بأن يشكل غطاء لتعزيز “ترسانة حزب الله”.
وإضافة إلى العامل المتمثل بانشغال إسرائيل بمراقبة إيران، هنالك عاملان آخران أثارهما المراسل العسكري للتلفزيون العبري الرسمي “مكان”، باعتبارهما مؤشراً لعدم وقوع الحرب الشاملة على لبنان الآن. الأول هو أن توسيع نطاق ووتيرة القصف الإسرائيلي، لم يترافق معه أي تعليمات جديدة من الجبهة الداخلية الإسرائيلية للسكان الإسرائيليين في خط المواجهة. والثاني تنويه الدوائر الاستخباراتية الإسرائيلية بأنها مازالت تستبعد رداً من “حزب الله”، رغم تلميحاته بأنه لن يببق مكتوف الأيدي تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، بحجة أن الحزب لا يجد شرعية داخلية للقيام بأي عمل قد يجر لبنان إلى حرب واسعة، إلى جانب ظروفه العسكرية والاقتصادية التي تمنعه من الرد.
رغم ذلك، بدت بعض المنشورات الإسرائيلية في مواقع التواصل الاجتماعي، أكثر حماسة من وسائل الإعلام التقليدية، في التحريض على لبنان، حيث اعتبر بعضها أن الغارات الإسرائيلية العنيفة في جنوب لبنان والمعابر الحدودية مع سوريا “مجرد عرض ترويجي لما هو قادم”. كما اعتبرت منصات مقربة من الأمن الإسرائيلي، أن الجيش شن هجمات على أهداف “عالية القيمة” في لبنان، لكنه لم يعلن بعد عن “إغلاق الحساب” مع ثلاثة أشخاص مركزيين من “حزب الله”، إضافة إلى قائد الوحدة 910 المتخصصة بالعمليات الخارجية، وهو ما يعني أن فرضية الاغتيالات لقادة كبار من الحزب، محتملة في أي لحظة وفي أي مكان في لبنان.





