سلسلة انهيارات الأبنية: من ضهر المغرّ إلى القبة… فالتبانة؟

0
14

في طرابلس، لم يوقظ المنبه أبناء شارع “البركة” في منطقة القبة كعادتهم، بل استيقظوا اليوم على دويّ انهيار مبنى وصرخات استغاثة تخرج من تحت أطنان الباطون. عند الثالثة من فجر هذا الصباح، سقط المبنى وسقطت معه ورقة التوت الأخيرة عن عورة نظامٍ ترك عاصمة لبنان الثانية تواجه قدرها “باللحم الحي”. 

تحت هذا الركام، تقبع عائلة “آل المير”: رب العائلة، ذاك الرجل الخمسيني الذي قضى عمره خلف مقود سيارته “التاكسي”، يجوب شوارع الفيحاء من طلوع الفجر حتى مغيب الشمس، لم يكن يطلب المستحيل. كان جُلّ همه أن يعود في نهاية يومٍ شاق، ببعض الليرات التي لا  تسمن ولا تغني من جوع، ليجتمع مع زوجته وأبنائه الثلاثة (فتاتان وشاب) تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والخامسة والعشرين.شبابٌ في عزّ عطائهم وأحلامهم، وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة حتفهم: بيتهم الذي يفترض أن يكون حضنهم الدافئ، تحوّل إلى “تابوت معلّق” ينتظر لحظة السقوط.

تحدث الجيران لـ”المدن” بمرارة عن حال العائلة المادي الصعب. ففي بلدٍ ينهشه الغلاء، كان تأمين مأوى بديل بالنسبة لسائق تاكسي بمثابة “معجزة” لا تتحقق. لقد استلموا الإنذار بضرورة الإخلاء، وشعروا بالخوف، وغادروا الشقة بالفعل. جربوا أن يطرقوا أبواباً بديلة، لكن في غابة الإيجارات والسمسرة والمال، لم يجدوا من يحتضن فقرهم. عاد الأب، بقلبٍ مثقل بالهموم، ليقول لجاره جملة ستبقى محفورة في ذاكرة طرابلس: “ما عندي بديل، رح أقعد أنا وعيلتي هون اليوم، ما معقول يسقط فوراً، وبكرا بشوف شو بدي أعمل.. لكل حادث حديث”. لم يكن يعلم أن “الحديث” سينقطع تحت وطأة الجدران المتآكلة، وأن “الغد” الذي انتظره ليجد حلاً، لن يأتي عليهم بما كانوا يحلمون .

إنقاذٌ بدائي..

المشهد في القبة اليوم يندى له الجبين. الأم التي انتشلتها فرق الإنقاذ حية، بقيت تنظر إلى الركام حيث يرقد زوجها وأبناؤها، في انتظار معجزة لم تأتِ بها الدولة، بل يحاول “الصليب الأحمر” و”الدفاع المدني” اجتراحها بمعدات بدائية مخجلة. في بلدٍ تُهدر فيه المليارات، نرى المنقذين يزيلون الركام “حجراً حجراً”، ويستعينون بمعدات استعيرت من الجيران، وينقلون التربة بـ “الأسطل” اليدوية.

هذا البطء في عمليات الإنقاذ يعني أنّ كل دقيقة تمرّ والركام جاثم فوق صدور الأب وأولاده، هي رصاصة رحمة تطلق على فرص نجاتهم.والاستعانة بـ “سطل” لنقل ركام مبنى من خمسة طوابق هي الصورة الأصدق لمستوى اهتمام المسؤولين بهذه المدينة. طرابلس التي تُركت لقدرها، تواجه الموت بالأيدي العارية، بينما الآليات الثقيلة وخطط الطوارئ تبقى حبيسة الأدراج أو مخصصة لمناطق “المحظيين”.

هندسة الموت ترسم مستقبل باب التبانة

وفيما تتركز الأنظار متابعةً الحفر بالأيدي، يأتي صوت العلم ليؤكد أن الكارثة ليست قضاءً وقدراً بحتاً، بل هي نتيجة تراكمات من الغش والفساد العمراني. الدكتور خالد تدمري، الأستاذ في الجامعة اللبنانية والمتخصص في العمارة، يضع إصبعه على الجرح النازف. يحذر تدمري عبر “المدن” من أن مسلسل الانهيارات الذي بدأ في ضهر المغر ووصل إلى القبة، مرشح للاستمرار وبقوة أكبر وخصوصاً باب التبانة.

إذ يشرح تدمري واقعاً مرعباً فيها فهي تعاني من كثافة سكانية هائلة، وأبنيتها التي شيّدت من عشرات السنين بنوعيّة رديئة جداً، كان المتعهدون يهدفون من خلالها للربح السريع والبيع بالرخيص على حساب السلامة العامة. والأنكى من ذلك، هو ما كشفه عن البنية التحتية، حيث تحولت الطوابق التي تحت الأرض في كثير من المباني إلى “مستنقعات” من المياه الآسنة التي تنخر الأساسات يوماً بعد يوم، مما يجعل عمر الأبنية قصيراً جداً، ويحولها إلى فخاخ موت محققة ستنفجر في السنوات القادمة إذا ما بقي الإنماء مجرد حبر على ورق.

متى تنتهي “لكل حادث حديث”؟

عائلة آل المير لم تنتشل حتى هذه اللحظة، لكنها تختنق ببطء تحت أعين الجميع. الأب وأولاده الثلاثة لا يزالون تحت الركام، ومعهم كرامة إداراتٍ تدعي حماية مواطنيها وهي عاجزة حتى عن تأمين “مأوى”. ستبقى جملة الأب “لكل حادث حديث” وصمة عار على جبين كل من قصر بحق هذه المدينة، بانتظار أن تصبح الأفعال هي “الحديث” الوحيد الذي ينقذ ما تبقى من أرواح تحت ركام الإهمال.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا