المصدر: النهار
أُبلغ لبنان رسمياً من بلغاريا قرار إطلاق سراح مالك سفينة نيترات الأمونيوم إيغور غريشوشكن، في تطور أعاد ملف انفجار مرفأ بيروت إلى واجهة الخيبات القضائية، بعدما تحولت هذه القضية، منذ لحظة تحريكها دولياً، إلى زوبعة داخل القضاء اللبناني من دون أن تسجّل أي خطوة إيجابية ملموسة باتجاه استكمال القرار الظني أو تثبيت حقيقة قضائية متكاملة. فبدل أن يشكّل توقيف غريشوشكن اختراقاً نوعياً في مسار التحقيق، انتهى المسار كله بإجراءات شكلية أضيفت إلى سجل طويل من العراقيل والتعقيدات.
في أيلول من عام 2025، أوقفت السلطات البلغارية غريشوشكن بناءً على مذكرة توقيف غيابية صادرة عن القضاء اللبناني، في خطوة عدّت حينها فرصة نادرة لإعادة وصل ما انقطع في الشق الدولي من الملف. غير أن المسار سرعان ما تعقد، إذ رفضت بلغاريا تسليمه إلى لبنان بذريعة الخشية من إنزال عقوبة الإعدام بحقه. وعلى الرغم من تقديم الدولة اللبنانية تعهدات خطية واضحة بعدم تطبيق أي عقوبة من هذا النوع، بقي قرار التسليم معلقاً، قبل أن توافق بلغاريا على التحقيق معه على أراضيها بدل نقله إلى بيروت.
في هذا السياق، رفع منع السفر عن المحقق العدلي في قضية انفجار المرفأ القاضي طارق البيطار، فتوجّه إلى بلغاريا على أمل إجراء استجواب يسهم في سد واحدة من أخطر الثغرات في الملف، والمتصلة بمسار السفينة وشحنتها والجهات التي كانت على علم بوجهتها ومصير المواد التي كانت تنقلها. إلا أن هذه الخطوة انتهت سريعاً إلى طريق مسدود، بعدما رفض غريشوشكن الإجابة عن أي سؤال، ما دفع البيطار إلى العودة إلى بيروت من دون تحقيق أي تقدم فعلي، لتتخذ السلطات البلغارية لاحقاً قراراً بإطلاق سراحه.
هذا التسلسل الزمني أوحى، وفق مصادر قضائية، بأن ما جرى لم يتجاوز إطار الإجراءات الشكلية التي مكّنت بلغاريا من تبرير رفضها النهائي لتسليم الموقوف إلى لبنان، من دون أن يترتب على ذلك أيّ تعاون قضائي حقيقي يخدم التحقيق، وهو ما انعكس سلباً على مسار القرار الاتهامي، الذي بقي معلقاً وسط شعور متزايد بأن الحلقة الدولية من الملف باتت شبه مقفلة، أو على الأقل خارج متناول القضاء اللبناني.
في الداخل، لا تقل الصورة قتامة. فملف انفجار المرفأ، الذي يرزح تحت ثقل العراقيل منذ عام 2020، يشهد خيبة قضائية جديدة تُضاف إلى سلسلة طويلة من التعطيل.
وبحسب معلومات متقاطعة، لا قرار اتهامياً في الوقت الراهن، إذ إن القاضي البيطار لا يزال ينتظر بت دعوى اغتصاب السلطة المقامة بحقه. فعلى الرغم من أن قاضي التحقيق في هذه الدعوى حبيب رزق الله أصدر قراراً بمنع المحاكمة عن البيطار، استأنف الوزير السابق علي حسن خليل هذا القرار، ما أدّى إلى إحالة الملف على الهيئة الاتهامية لبتّه، وهو ما يجمّد عملياً أي خطوة حاسمة في اتجاه إصدار القرار الظني.
بين إخفاق المسار الدولي، واستمرار الاشتباك القضائي الداخلي، يبدو التحقيق العدلي عالقاً في منطقة رمادية، لا هو متوقف رسمياً ولا هو قادر على التقدم.
أما إطلاق سراح مالك سفينة “روسوس” وعدم إدانته بأيّ تهمة، فلا ينسف التحقيق من أساسه، لكنه يعمّق الشكوك حول قدرة القضاء اللبناني على استكمال هذا الملف حتى نهايته، ويعيد طرح السؤال الأشد إيلاماً لدى أهالي الضحايا والرأي العام: هل لا يزال القرار الظني ممكناً، أم تُدفع قضية المرفأ مجدداً إلى زمن الانتظار المفتوح؟





