تشير التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة في الشرق الأوسط إلى تحول نوعي في مقاربة واشنطن تجاه إيران، يتجاوز سياسة “الاحتواء” وإدارة الأزمات، نحو الاستعداد لمرحلة أكثر حسماً في التعامل مع النظام الإيراني.
وبحسب مقال تحليلي نشرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، للكاتب أمير أفيفي، فإن تركيز القوات الأميركية في المنطقة لا يندرج في إطار الردع التقليدي، بل يعكس استعداداً واسعاً لاحتمالات تصعيد عسكري طويل الأمد، في ظل قناعة أميركية متزايدة بضرورة تغيير قواعد الاشتباك مع طهران.
حشد عسكري غير مسبوق
ويوضح أفيفي أن الوجود العسكري الأميركي الحالي يتميّز بتركيبة “استثنائية” من حيث الحجم والنوع، سواء على المستوى البحري أو الجوي. فعلى الصعيد البحري، تنتشر في المنطقة حاملة طائرات أميركية مدعومة بمدمرات وسفن مرافقة، تجمع بين قدرات جوية وهجومية ودفاع جوي بحري، ما يسمح بتنفيذ عمليات واسعة ومتواصلة.
أما على المستوى الجوي، فتضمّنت التعزيزات نشر طائرات مقاتلة، وطائرات للتزويد بالوقود جواً، إضافة إلى طائرات الإنذار المبكر والمراقبة، ما يتيح رفع وتيرة العمليات وتوسيع مداها الجغرافي، وإدارة حملة عسكرية طويلة النفس، وفق ما ورد في “معاريف”.
وبالتوازي، عززت الولايات المتحدة منظومات الدفاع الجوي في قواعدها ومواقع انتشارها، بما في ذلك أنظمة اعتراض الصواريخ، تحسباً لردود إيرانية مباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين.
رسائل سياسية تتجاوز الملف النووي
وإلى جانب البعد العسكري، يلفت الكاتب إلى تغير ملحوظ في الخطاب السياسي الأميركي تجاه إيران. وبعد سنوات من التركيز على منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وكبح برنامجها الصاروخي، بات الخطاب الأميركي يركز بصورة متزايدة على طبيعة النظام نفسه.
وبحسب التحليل المنشور في “معاريف”، ترى واشنطن أن المشكلة الإيرانية لم تعد تقنية أو عسكرية فقط، بل تتصل ببنية الحكم، القائمة – وفق الرؤية الأميركية – على القمع الداخلي، وتصدير النفوذ المسلح إقليمياً، واستفزاز الغرب بشكل مستمر.
ويعكس هذا التحول، بحسب أفيفي، انتقالاً من سياسة “احتواء السلوك” إلى محاولة التأثير في “جوهر النظام”.
الأزمة الداخلية تعمّق هشاشة النظام
ويربط المقال بين التصعيد الخارجي والأوضاع الداخلية المتفاقمة في إيران، معتبراً أن الأزمة الاقتصادية والخدمية تعزز من هشاشة النظام.
ويشير إلى أن إيران تعاني من أزمات متزامنة، تشمل انقطاعات طويلة في التيار الكهربائي، وتدهور منظومة المياه، وتراجع حاد في قيمة العملة، وتآكل المدخرات والرواتب، وعجز الدولة عن توفير خدمات أساسية مستقرة.
وبحسب “معاريف”، فإن هذه الأوضاع تضعف قدرة النظام على الادعاء بشرعية حكمه، وتغذي صورة كيان سياسي “هش من الداخل”، يواجه تحديات متراكمة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي.
استهداف غير معلن لركائز الحكم
ويرى أفيفي أن واشنطن لا تحتاج إلى إعلان صريح عن سعيها لتغيير النظام، إذ إن طبيعة التحركات الحالية توحي بذلك ضمنياً.
ويشير إلى أن الاستراتيجية الأميركية تقوم على استهداف “أعمدة الحكم الأساسية”، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، وأدوات السيطرة الداخلية، ومصادر التمويل، والبنى الاقتصادية الداعمة للنظام.
ويهدف هذا المسار، بحسب التحليل، إلى خلق ظروف تجعل استمرار النظام في أداء وظائفه الأساسية أمراً بالغ الصعوبة، بحيث يصبح انهياره نتيجة طبيعية لمسار الضغوط المتراكمة، لا هدفاً معلناً بحد ذاته.
مخاوف من مبادرة إيرانية استباقية
ويحذر الكاتب من أن هذا التصعيد قد يدفع طهران إلى خيار المبادرة الهجومية المبكرة، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها في المنطقة، في محاولة لإفشال المسار الأميركي.
وبحسب الصحيفة، يدرك صانعو القرار في إيران دلالة الحشد العسكري الحالي، وقد يرون فيه مؤشراً على اقتراب مواجهة واسعة، ما يزيد من احتمالات الرد الاستباقي.
وفي هذا السياق، يربط أفيفي بين التطورات الجارية وبين الرسائل العلنية الصادرة عن إسرائيل حول رفع مستوى الجاهزية العسكرية، معتبراً أنها جزء من الاستعداد الإقليمي لسيناريوهات التصعيد.
نحو مرحلة مفصلية في الإقليم
ويخلص الكاتب إلى أن الولايات المتحدة لا تستعد لجولة تقليدية جديدة من التوتر مع إيران، بل لخطوة استراتيجية قد تؤشر إلى نهاية مرحلة سياسية كاملة في تاريخ النظام الحالي. حيث تقف المنطقة اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية، تتأرجح بين الردع والتصعيد، وقد تؤدي نتائجها إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات طويلة مقبلة.
ويؤكد أن تداعيات هذا المسار لا تقتصر على إيران وحدها، بل تمتد إلى إسرائيل ودول الخليج والعراق وسوريا ولبنان، في ظل تشابك ساحات النفوذ والصراع.






