في وقتٍ تنشغل فيه بعض الصالونات السياسية ببياناتِ السيادة الرنانة، تُرسم على ضفاف النهر الكبير في عكار خارطة أخرى للبنان؛ خارطة لا تعترف بالحدود ولا تحكمها القوانين. هنا، حيث امتزج تداخل الجغرافيا بروابطِ الدم، تحوّلت الحدودُ الشماليةُ إلى منطقةٍ معزولة عن الدولة، يديرها “أمراءُ المعابر” بعقلياتٍ ميليشياوية، وتُباع فيها الأرواح في مزاد البؤس العلني.
جغرافيا “الثقوب السوداء”
يمتدُّ الجرحُ اللبناني-السوري على طول 375 كلمتراً. لكنَّ الحكاية الأشدَّ نزفاً تقع هنا في الشمال، حيث يشكّل النهر الكبير حوالي ثلث هذه الحدود بطول 65 كلمتراً. ورغم أن الجيش اللبناني ينشر أربعة أفواج حدود برية ويقيم عشرات المراكز العسكرية، إلا أنَّ “تداخل البيوت” وصلات القربى حوّلت الحدود إلى “أرض مشاع”. فالمطابخ تقعُ في لبنان وغرف النوم في سوريا، وهذا ما جعل إقفال أكثر من مئة معبر غير شرعيّ أمراً يقترب من المستحيل من دون حلّ سياسيّ جذريّ.
نجوى عبود: ضحية “براميل الموت”
قبل ثلاثة أيام، سُجّل اسم “نجوى علي عبود” في سجلّ ضحايا هذه الفوضى. حاولت العبور من سوريا عبر “براميل زرقاء” بدائية، فانزلقت في جوف النهر. لم تكن نجوى الضحيّة الأولى. فقبل شهر واحد فقط، ابتلع النهر تسعة أشخاص دفعة واحدة.
هذه المآسي هي ضريبةٌ قاسية يدفعها العابرون قسراً هرباً من بؤسٍ إلى بؤس، في ظل إقفال المعابر الرسمية في “العريضة” و”العبودية”.
“تلفريك” وقسطل نفط!
بالأمس القريب، برزت “ابتكارات” ابتدعتها عقول المهرّبين تُعرف بـِ “تلفريك الموت”: حبالٌ يدوية تربط الضفتين، وأدواتٌ بدائية لا تخلو من مخاطر جمّة.
ولمعبر “البوري” طريقته في التهريب: يتدلى المغامرون فوق قسطل نفط قديم، يتخذونه جسراً للعبور نحو الضفة الأخرى. أمّا معابر العين، تل حميرة، الشيخ عياش، وحكر جانين، فهي المعابر الأكثر نشاطاً في بورصة التهريب التي لا تتوقف ليلاً ولا نهاراً.
ومن المضحك أنّنا وجدنا معابر خاصّة اتخذت اسماءها ممّن يديرونها ويشرفونَ عليها كمعبر “و.د.”.
بورصة “الكولا”: سقفها 150 دولاراً
خلف كل رحلة تهريب، شبكةٌ لوجستية محترفة، كما بيّن لـ”المدن” أحد أبناء المنطقة الحدوديّة. إذ أكّد أنَّ التعرفة تتراوح بين 50 و150 دولاراً للشخص الواحد. واللافت أنَّ المهربين يؤمّنون “خدمة التوصيل” حتى منطقة “الكولا” في بيروت، مع قاعدة: “الدفع في العاصمة”، لتجنب عمليات “النصب” المتبادلة على الحدود.
ولا يقتصر الأمر على البشر. فهذه المعابر هي “شرايين” لتهريب كل شيء، من السمانة والمشروبات، وصولاً إلى السموم المخدرة والأسلحة، ما يجعل من هذه النقاط قنابل موقوتة تهدد الأمن القومي والغذائي.
حينَ تطفو الوعود وتغرق الأرواح
“على ضفافِ النهرِ الكبير، لا تطفو أجسادُ الضحايا فحسب، بل تطفو معها وعودٌ رسمية لم تجد طريقها يوماً إلى التنفيذ. هناك، حيثُ يصبحُ “قسطلُ النفط” جسراً وحيداً للنجاة، تسقطُ كلُّ الحجج والذرائع التي تحول دون ضبط الحدود. فمن يحمي ‘نجوى عبود’ القادمة؟ ومن يوقف نزيف الوجع في قرى باتت الحدودُ فيها قدراً لا يُطاق؟
سيبقى النهرُ يتدفق، وسيبقى الموتُ يتربص، ما دامَ ثمنُ العبورِ خمسينَ دولاراً.. وثمنُ الإنسانِ لا شيء.






