في لبنان، لا يكاد ملفٌّ يوازي ملفّ سلاح حزب الله تعقيدًا وحساسيّةً. فهو ملفٌّ يتجاوز حدوده الداخليّة لِيشتبك مع توازنات المنطقة وصراعاتها، بين من يراه ضرورةً للدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل، وبين قوى لبنانيّة ودوليّة تعتبر بقاءه خارج إطار الدولة انتقاصًا من السيادة ومصدرًا لمخاطر أمنيّة واقتصاديّة كبرى. ومع ارتفاع منسوب التوتّر الإقليمي، في ظلّ التهديدات الأميركيّة لإيران وما تلاها من مواقف أخيرة للشيخ نعيم قاسم، تتكاثر الأسئلة في الداخل اللبناني حول ما يمكن أن تحمله الأيّام المقبلة، وربّما الساعات، من احتمالات على بلدٍ يقف في قلب العاصفة. لمناقشة هذه الأسئلة والملفّات، التقت “المدن” القياديّ في حزب الله الحاجّ محمود قماطي.
وهنا وقائع المقابلة:
- السؤال الأوّل الذي يطرحه كثيرون اليوم هو حول كلام الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير والذي رأى فيه كثيرون استفزازًا، ماذا يعني في عمومه؟
كلام سماحة الشيخ لا يحتاج إلى تفسير. وهو أصلًا أراد أن يكون جزءٌ منه غامضًا، يحتمل أنواعًا متعدّدة من التأويل، وهذا الغموض مقصود. لذلك فإنّ أيّ توضيحٍ لهذا التصريح قد يُسقط الغموض المطلوب أن يبقى قائمًا، وعنوانه الأساسيّ، عدم إعطاء الاطمئنان، وعدم طمأنة العدوّ الإسرائيليّ.
- لكن هذا الغموض الذي تصفونه بـ”البنّاء” يضع كثيرًا من اللبنانيّين في حالة حيرة وخوف، وليس فقط الغرب أو الأميركيّين وحدهم في هذه الحالة من الغموض؟
سأقول كلامًا واضحًا وجديدًا، من يدّعي أنّ كلام سماحة الشيخ يُورِّط لبنان ويضعه في خطر، يتجاهل أنّ لبنان واقعٌ في الخطر أصلًا. ولبنان دخل في الحرب ليس بسبب تصريح سماحة الشيخ نعيم قاسم، بل بسبب ما يفعله الأميركي في لبنان استعدادًا لأيّ حربٍ قادمة في المنطقة، سواء تعلّقت بلبنان أو بمحيطه. نحن نعلم اليوم أنّ الأميركي يستخدم لبنان قاعدةً عسكريّة، وأنّ الطائرات الأميركيّة تأتي يوميًّا إلى قاعدة حامات. وهذه القاعدة كانت في الماضي تُستخدم لتزويد أحزاب لبنانيّة فتنويّة بالسلاح الذي لم يُوجّه يومًا لقتال العدوّ الإسرائيلي، بل استُخدم للاقتتال الداخلي وقتل اللبنانيّين. أمّا اليوم، فقرار استخدام لبنان قاعدةً عسكريّة في منطقة ملتهبة قد يجرّ لبنان إلى الحرب. الأميركيّون هم الذين أدخلوا لبنان في الحرب، فلا يلومنّ أحدٌ حزب الله ولا المقاومة.
- بحسب ما قاله بعض حلفائكم ومنهم جبران باسيل (لا ندري إذا كان بعد حليفًا) أنّكم أدخلتم لبنان في الدفاع عن إيران، بعدما كلّفه الدفاع عن غزة قدرة لبنان على الدفاع عن نفسه. فماذا سيكلّفنا الدفاع عن إيران؟ خسارة لبنان كلّه؟
“محيرينا هول الجماعة، وليس جبران باسيل لوحده، أحيانًا يكونون موضوعيّين وأحيانًا لا، حتى من القوات اللبنانيّة، هناك من قال إنّه اقتنعنا أنّ العدوان الذي حصل على لبنان لم يكن بسبب الإسناد، بل كان مُعدًّا سلفًا، والأدلّة القاطعة أثبتت ذلك.”
أمّا ما يُنسب إلى السيّد حسن نصر الله من أنّه لو كان يعلم بالكلفة لما دخل حرب الإسناد، كما قيل “لو كنت أعلم سابقًا”
فهذا لم يقله سماحة السيّد الشهيد مطلقًا. الذي حصل أنّ سماحة السيّد الشهيد وافق على وقف إطلاق النار عندما ذهب الرئيس نجيب ميقاتي إلى نيويورك وأبلغه بموافقتنا على وقف إطلاق النار، لكن الإسرائيلي لم يقبل. والرئيس ميقاتي تحدّث بالتفصيل عمّا جرى هناك. سماحة السيّد وافق على وقف إطلاق النار، لكنه لم يقل يومًا “لو كنا نعلم لما فعلنا”. بل أكثر من ذلك، لو عاد الزمنُ والأحداثُ إلى الوراء لفعلنا ما فعلنا، لأنّ المسألة واجبٌ أخلاقيّ وإنسانيّ وقوميّ ودينيّ على كل المستويات.
- لبنان دفع الفاتورة، وربّما ما دفعه كبير جدًّا، أكبر من غزة
وأقول إنّ لبنان كان “الرقم 1” في المشروع الصهيوني قبل غزة، ثم صار “الرقم 2” بعد غزة. وقد ظهرت أدلّة كثيرة متداولة على ذلك، ولا أريد العودة إلى تفاصيل من قبيل التحضير للبيجر منذ عام 2012.
- قيل أيضًا إنّ لديكم خرقًا أمنيًّا كبيرًا، وإنّ ذلك يعني أنّكم مكشوفون على مستويات عدّة، السيّد حسن نصر الله قال في آخر خطاب له إنّ القرارات يجب أن تُتخذ في أضيق دائرة ممكنة، وهذا يعني أنّه كان يستشعر أنّ الأمور وصلت إلى صلب حزب الله. هل تعتبرون أنفسكم اليوم غير مكشوفين أمنيًّا؟صحيحٌ أنّ لدينا إشكالًا في الخرق الأمني.نعم، كان هناك انكشاف أمني، وقد قال الشيخ نعيم قاسم إننا نحقّق في أسباب هذا الانكشاف ونعمل على معالجته. ونجحنا بنسبة عالية جدًّا في إغلاق الثغرات، وتقدّمنا كثيرًا.
ولا أقول إنّ الانكشاف انتهى بالكامل، لكننا تقدّمنا كثيرًا في إغلاق الثغرات. نعم حصل انكشاف، وتمّت محاسبات، وستستمر المتابعة لأنّ الأمر لم ينتهِ بعد.
- أنتقل إلى العلاقة مع رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون. قيل إنّ العلاقة تردّت في الآونة الأخيرة، وأنّ الأمر دخل على خط الرئيس نبيه برّي، لأنكم اعتبرتم أنّ خطاب رئيس الجمهوريّة في السنة الأولى من عهده تضمّن كلامًا عن “المغامرات” و”تنظيف المنطقة من السلاح”. ما الخطأ في كلام رئيس الجمهوريّة؟
نحن في الحقيقة نحرص كثيرًا، على مستوى المسؤولين، على ألّا تكون علاقتنا مع الرؤساء الثلاثة في حالة توتّر. بالعكس، نريدها علاقة تفاهمٍ بأعلى نسبة ممكنة حفاظًا على الاستقرار، لأننا نريد الاستقرار ونساعد الدولة للوصول إليه. لكن أداء الدولة هو الذي يعيد توتير الأمور. فعندما تقول الدولة اليوم “أنهينا جنوب لبنان” بينما الواقع أنّ الأمر لم ينتهِ، والجيش يقول إننا لم ننهِ لأنّ الاحتلال الإسرائيلي ما زال قائمًا في بعض المواقع ويمنعنا من الانتشار وإكمال الانتشار، وعندما نتحمّل يوميًّا خسائر كبيرة وآلامًا كبيرة، اغتيالًا يوميًّا، وتدميرًا يوميًّا، وعدوانًا يوميًّا، ولا نردّ لأننا التزمنا مع الدولة عدم الردّ للحفاظ على استقرار البلد أولًا، وحتى تُنجز الدولة ما أخذته على عاتقها من استكمال التحرير وسواه ثانيًا، ثم يأتي بعض أركان الدولة أو السلطة أو الحكومة ليقول إننا “انتقلنا إلى مرحلة جديدة تتعلّق بالسلاح”، فهذا يجرّ البلد إلى الفوضى ويهدد الاستقرار والسلم الأهلي.
- لكنكم تريدون الإبقاء على سلاحكم، ولا تريدون تسليمه، ولا تريدون أن تكونوا جزءًا من الجيش اللبناني. هل لديكم مشكلة مع الجيش، هل لا تثقون بالجيش اللبناني؟
بالعكس تمامًا، نحن نثق بالجيش اللبناني. علاقتنا بالجيش كانت جيّدة وما زالت وستبقى كذلك، علاقة وطنيّة وثيقة وتعاون. وقد قال قائد الجيش مرات عدّة إنّ حزب الله يتعاون مع الجيش في جنوب نهر الليطاني.
- اليوم قائد الجيش رودولف هيكل ذهب إلى واشنطن، وسيعقد لقاءات مع كبار المسؤولين، وتقول المعطيات إنه سيعود بخطة يطرحها على مجلس الوزراء، ويُقال إنها خطة “تنظيف” السلاح شمال الليطاني، لا جنوبه.
الرؤساء، رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، يعلمون موقفنا جيّدًا من موضوع السلاح شمال الليطاني، ويعلمون ذلك أيضًا. موقفنا واضح، وموقف الرئيس بري واضح. وحتى موقف رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة كان واضحًا، وكذلك قائد الجيش كان واضحًا. أمّا الحديث عن التباسٍ مستجدّ فنحن لا نسلّم به. نحن نثق بمواقف الرؤساء.
- لكن هناك قرارات حكوميّة تتحدث عن سحب السلاح، قرارات 5 و7 آب للحكومة اللبنانيّة لسحب السلاح من شمال الليطاني وجنوبه.
وهناك قرار في السابع من أيلول يقول بالاكتفاء بمرحلة “جنوب نهر الليطاني”، وهناك حديث عن بدء البحث في الاستراتيجيّة الدفاعيّة. الحكومة قررت وأعلنت رسميًّا. لم يبحثوا في الاستراتيجيّة الدفاعيّة، ولم يباشروا بما يُقال. نحن تمسكنا بالاتفاق، والدولة أخذت على عاتقها نقاطًا موجودة فيه. نحن نفّذنا وتعاوننا إلى الحدّ الأقصى، بل إنّ أقصى ما قدمته المقاومة كان تعاونًا لدعم الدولة كي تُنفّذ ما التزمت به. لكن إسرائيل لم تلتزم. فبأي مبرّر تغيّر الدولة أولوياتها. نحن ملتزمون بخطاب القسم والبيان الوزاري. أين الأولويات. هل هي سحب السلاح أم الاستراتيجيّة الدفاعيّة. هنا يقع التضليل الإعلامي والسياسي.
- قيل إنكم رفضتم سابقًا الاستراتيجيّة الدفاعيّة عندما طُرحت مرات عدّة، والآن صرتم تطالبون بها لأنكم لا تريدون تسليم سلاحكم؟
هذا غير صحيح. منذ ورقة التفاهم مع التيار الوطني الحر، هناك بندٌ مكتوب ومُثبت، البند العاشر، يتحدث عن اعتماد استراتيجيّة دفاعيّة بين المقاومة والجيش والدولة للدفاع عن الوطن. لم نرفض الاستراتيجيّة يومًا.
- إنكم اليوم شبه معزولين، وإنّ ما حدث في سوريا وتغيّر النظام أضعف “محور المقاومة”، وإنّ المحور اليوم في أضعف حالاته. هل هذا صحيح؟
غير صحيح. لم نفقد الحلفاء. هذا من ضمن الدعاية الإعلاميّة ضدنا، “حلفاؤكم رحلوا، وسوريا رحلت، وماذا بقي لكم”. هذا غير صحيح. ما زال حلفاؤنا موجودين ومستمرين في نهج المقاومة وتبنّيها. قد يختلف بعض الأشخاص في المواقف، لكن لا يصحّ القول إننا فقدنا الحلفاء.
- الحليف الأخير لكم في الداخل هو الرئيس نبيه بري، وأنّ بينكم وبينه مشكلة كبيرة، منها ما يتعلق بالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ومنها ما يتعلق بالانتخابات النيابيّة. هل هذا صحيح؟
أؤكد أننا في أعلى درجات التفاهم والموقف الواحد تجاه القضايا الوطنيّة وتجاه قضايا الطائفة، وفي أعلى درجات الانسجام والالتقاء مع الرئيس برّي وحركة أمل. وسيكون هناك رئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وفق القانون، وما تزال الأمور قيد المتابعة للوصول إلى انتخابه باتفاقٍ واحد وقرارٍ مشترك.
- وهل صحيح أنّ الرئيس بري طلب أن يكون له عدد نواب أكثر من عدد نوابكم؟
غير صحيح. القرار بيننا واضح، ما كان لحركة أمل يبقى لحركة أمل، وما كان لحزب الله يبقى لحزب الله، دون تبديل مقاعد، وبقرار واحد وتفاهمٍ مشترك.
- قيل أيضًا إنّ الرئيس بري يعبّد لكم الطريق مجددًا إلى بعبدا لأنّه غير راضٍ عن سوء العلاقة، فهل سنرى النائب محمد رعد قريبًا في القصر الجمهوري؟
التواصل المباشر أو غير المباشر لم ينقطع، وإن كانت الظروف الأمنيّة في الفترة الأخيرة، نظرًا لاستهداف العدو الإسرائيلي لبعض الأشخاص ومنهم الحاج محمد رعد، قد دفعت إلى اعتماد تواصل غير مباشر. وهذا التواصل مستمر. ودور الرئيس بري مهمٌّ جدًّا في تدوير الزوايا وإيجاد المخارج الملائمة لحفظ الاستقرار الوطني، وهو يؤديه باستمرار، ونحن نواكب ذلك. لذلك نحرص على العلاقة مع الرؤساء الثلاثة.
- إذن أين أصبحت العلاقة مع رئيس الجمهوريّة، وهل يتجه الرئيس بري إلى حل المشكلة أم لم يستطع حتى الآن حل الخلاف؟
نريد العلاقة مع رئيس الجمهوريّة كما نريدها مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، علاقة جيّدة. وأعتقد أنّ الأمور تسير باتجاه إيجابي، لكن ذلك مرتبط بالأداء.
- ما الذي تنتظرونه من رئيس الجمهوريّة تحديدًا
نتوقع تحسين العلاقة والتوجه الإيجابي انطلاقًا من أنّ الخطر المحدق بلبنان كبير جدًّا، وأنّ لبنان في قلب العاصفة، وأنه لا بدّ من التفاهم مع قوة أساسيّة في البلد لحماية البلد ومنع الفوضى وانعدام الاستقرار.
- هناك “الميكانيزم”، الآليّة التي بين أيدينا ولديكم بعض علامات الاستفهام تجاهها، ويقال إنّ توقفها أحد أسبابه عدم تعاونكم. وقد قال المبعوث الرئاسي سيمون كرم إنكم لم تتعاونوا ولم تسلّموا سلاحًا للجيش اللبناني؟
هذه الآليّة لم تخدم لبنان مطلقًا. لقد خدمت العدو الإسرائيلي وخدمت المخطط الأميركي، ولم تقم بدورها الذي أُنيط بها، وفق ما قيل إنه بضمانة الإدارة الأميركيّة والإدارة الفرنسيّة، لجهة وقف إطلاق النار وتنفيذ الاتفاق. ما حصل أنها صارت قناة اتصال بين العدو الإسرائيلي والجيش اللبناني لتنفيذ قرارات الجيش الإسرائيلي. وإلغاء الآليّة أو تعطيلها قد يكون تمهيدًا للوصول إلى تفاوض مباشر لبناني إسرائيلي بإشراف أميركي. نحن موقفنا واضح، وكذلك موقف الرئيس بري والقوى الوطنيّة واضحة.
- قيل إنّ المصريّين ضمن خط المبادرة تواصلوا معكم وأقنعوكم بأنّ التواصل مع إسرائيل سيحدث في نهاية المطاف عاجلًا أم آجلًا؟
نحن نحترم الدور العربي، ونحترم الدور المصري، ونحترم الموقف العربي الجديد من السعوديّة ودول الخليج. ونحترم أيضًا المواقف العربيّة الجديدة، ولا سيما الاعتراض على احتمال توجيه ضربة لإيران، لأنّ العالم العربي يعلم أنّ ضرب إيران يعني ضرب المنطقة كلها. كذلك هناك تعديل في النظرة إلى المقاومة بوصفها مفيدة للأمن القومي العربي، فلماذا تُلغى.
- عن أي دول تتحدث، عن السعوديّة مثلًا؟
نعم، هذا التوجه موجود، مصري وسعودي وجزائري، بل وإسلامي أيضًا، تركي وقطري.
- لكن يُقال إنكم لستم على علاقة جيّدة مع السعوديّة؟
لقد أطلقنا مبادرات طيبة ومددنا اليد نحو المملكة العربيّة السعوديّة ومشروع انسجام، ولمسنا أنّ اليد في طريقها إلينا.
وقيل أيضًا إنّ من أسباب وقف حرب كانت مزمعة على إيران دورُ السعوديّة وسلطنة عُمان والإمارات، لأنها استشعرت أنّ ضربة إيران قد تطيح بالمنطقة برمتها وتشعلها. لكن لماذا لا نرى ذلك تواصلًا واضحًا للعيان، هل هناك تواصل فعلي مع السعوديّة والإمارات
نحن على استعداد للتواصل مع جميع الدول العربيّة، حتى إن اختلفنا معها في بعض الملفات. وهناك تواصل دبلوماسي قائم مع المصريّين، ومع قطر، ومع دول أخرى في السرّ. كما أنّ هناك تواصلًا عبر قنوات مختلفة مع دول غربيّة أيضًا، ومن ذلك مثلًا فرنسا، لكن الأميركي يقيّد الدور الفرنسي، ويكلّف الفرنسي أو غيره بالتواصل معنا بدلًا من التواصل المباشر، لأنه يصنّفنا بإرهابيّين، مع أنّ الأميركي يريد التواصل لكنه لا يريد الاعتراف بذلك. وقد تحدث الشيخ نعيم قاسم عن جهات تتصل بنا لمعرفة أجوبة عن بعض القضايا.
- وصلتم في تصريحاتكم إلى انتقاد الحكومة، وقيل إنكم قد تنسحبون من الحكومة أو تستقيلون، بل وصل الأمر إلى القول إن قرارات الحكومة قد تودي بالبلاد إلى حرب أهليّة؟
هذا غير صحيح. لم نهدد يومًا بالانسحاب من الحكومة. نعم انسحبنا من جلسة محددة في الحكومة، لكننا لم نقل يومًا إننا سننسحب من الحكومة أو نتركها. أما ما يتعلق بحديث بعض أطراف الحكومة عن المرحلة القادمة، وعن السلاح شمال النهر الليطاني وبين النهرين، وترك الجنوب، فقد اعتبرناه تكريسًا للاحتلال وتخلّيًا عن الجنوب، وهذا خطر كبير قد يؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار، وربما إلى فتنة داخليّة. قلنا “ربما” لأنّ ما يجري من تحضير أميركي داخل لبنان، والطائرات التي تهبط ضمن تحضير عسكري كبير، وتزويد أحزاب لبنانيّة فتنويّة بالسلاح الأميركي، إلى جانب تصريحات من حزب القوات اللبنانيّة عن امتلاك آلاف المقاتلين والتهديد بنزع السلاح بالقوة إذا لم ينزعه الجيش، والقول بضرورة التعامل مع حزب الله كعدو لا كشريك في الوطن، كل هذا خطاب حرب، وهو ما قد يقود إلى الحرب.
- هل لديكم معلومات فعليّة بأن القوات اللبنانيّة تملك هذا العدد من المقاتلين؟
ليست معلوماتنا وحدنا، بل هي معلومات الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة، مخابرات الجيش وأمن الدولة وشعبة المعلومات وغيرها. والدولة تعلم بوجود أسلحة مكثفة لدى القوات اللبنانيّة. والمفارقة أنّ الحديث عن حصرية السلاح يركّز فقط على سلاح المقاومة، فيما تُترك الأسلحة الأخرى المتراكمة مع العلم بوجودها.
- أين هؤلاء المقاتلون وهذه الأسلحة، وكيف قد يؤدّي ذلك إلى حرب أهليّة؟
أتحدث عن تصريحاتهم التي قد تقود إلى اشتباك داخلي، هم يهددون. ومع ذلك، نحن لا نريد حربًا أهليّة. الحرب الأهليّة تحتاج إلى طرفين يتقاتلان. نحن اتخذنا قرارًا واضحًا، سنعمل بكل قوتنا على وأد أي فتنة ومنع الوصول إليها. لكن إن وقع اعتداء مباشر فهذا أمر آخر، فلا يمكن لمن يُعتدى عليه أن يكتفي بالتحية. ومع ذلك، ضبطنا النفس في “مجزرة” الطيونة، وابتلعنا الجراح وصبرنا ولم نردّ حفاظًا على البلد. لكن هذا لا يمكن أن يبقى قاعدةً ثابتة في كل الظروف.
- لماذا لا تسلّمون الأجهزة الأمنيّة معلومات عمّا تقولونه بشأن مقاتلي القوات اللبنانيّة وأسلحتها، ليُوضع هذا الملف ضمن الأولويات لديكم ويُعالج لو كان صحيحًا؟
نحن لا نريد نقل الصراع من مواجهة العدوان الإسرائيلي والعدوان اليومي إلى صراع لبناني لبناني. هذا جزء من استيعاب الوضع والحفاظ على الاستقرار. نحن لا نبحث في المشاكل اللبنانيّة الداخليّة، بل نحاول تحييدها. لكن الآخرين لا يساعدون على تحييدها، ولا يبادلون الإيجابيّة بإيجابيّة، وهذا قد يفتح الباب على نتائج لا نريدها ولا نعمل لها، بل نعمل على منعها.
- اليوم هناك نظام جديد في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وقيل كثير عن محاولاتكم التواصل معه، وعن مبادرات منه تجاهكم. هل هذا صحيح، أم أنّ العلاقة غير سويّة مع النظام الجديد؟
الأمر ليس مسألة نظام. نحن اتخذنا قرارًا منسجمًا مع قرار الحكومة اللبنانيّة، وهو التمسك بسياسة حسن الجوار مع سوريا الشقيقة ومع الشعب السوري، وحفظ وحدة سوريا، وتمنّي خروجها من الأزمة. فهناك أفخاخ ومطبات كثيرة، وإمكان عودة الفتن قائم. نتمنى أن تتعافى سوريا، لأنّ استقرارها يزيد استقرار لبنان.
- لكن سوريا اليوم لديها لقاءات مع إسرائيل ومحاولات تسوية قد تصل إلى التطبيع والسلام؟
نعم، ما يجري قد يصل إلى هذا الحد. هناك لقاءات ومحاولة تفاهم بين الإدارة في سوريا، تحت إشراف أميركي وبمشاركة فرنسيّة، مع الإسرائيليّين. هذا لا يغيّر موقفنا من الشعب السوري ومن العلاقة مع سوريا كجارٍّ وشقيق. لكن برأينا التطبيع مع الإسرائيلي خطأ، وتوقيع سلام معه خطأ. سوريا اليوم في الفلك الأميركي، وهناك اتفاقات قديمة، كما في لبنان اتفاقات قديمة. نحن نرجع دائمًا إلى اتفاق الهدنة في لبنان، ولا ندخل في مشكلة بين الأفرقاء اللبنانيّين. أمّا في سوريا فهناك أيضًا ملفات كاتفاقات ما بعد عام 1974.
في المقابل، يطلب الرئيس الشرع خروج القوات الإسرائيليّة من المواقع التي دخلتها بعد سقوط الرئيس الأسد. هذا مطلب وطني وقومي وعروبي يحفظ السيادة في سوريا، وهو أمر إيجابي. أمّا مسألة التفاوض المباشر مع الإسرائيليّين فليست شأننا، لكننا نؤيد خروج الاحتلال الإسرائيلي من سوريا بالتفاوض كما نطالب بخروج الاحتلال من لبنان.
- هل يمكن أن تتطور لجنة “الميكانيزم” إلى لجنة تفاوض؟
نرفض أن تتطور إلى لجنة تفاوض مباشر، ونرفض ذلك قطعًا. وهذا ما قلناه للرئيس بري، ونتمسك به.
- كلمة أخيرة للبنانيّين، ماذا تقول لهم؟
أقول للبنانيّين إنّ الوضع الداخلي جيّد، ولا نيّة لدينا لصناعة فوضى من الداخل، حتى لو حذّرنا من الأسوأ إن وصلنا إلى الفوضى. وعي اللبنانيّين وإمكان التفاهم اللبناني اللبناني ما زالا ممكنين جدًّا عبر الحوار والقرارات اللبنانيّة الصافية في شؤون الداخل، والتعاون في كل ما يبني الدولة ويعزّز الاستقرار. أمّا في مواجهة العدو الإسرائيلي، فلن نتراجع ولن نستسلم.





