خاص: المهندس ربيع معين سليمان
إنّ النظـر إلى واقعية مدينة طرابلس الحالي بما فيه من بؤس وإهمـال وتراجع تنموّي عن بقية المدن ، وبما باتت توصف به مدينة طرابلس بأنها من أفقـر المدن في لبنان والمنطقة رغم ما تكتنزه وتملكه المدينة من مقومات بات يستوجب البحث عن حلــول إنقاذية لهذه المدينة الكبيرة التي عانت من تراكم في سياسات الفشل ، ومن تعثُّر مستمِّرْ في معالجة أزمات المدينة ومحاولات النهوض بواقعها .
وإذا إنطلقنا من مبدأ اللامركزية الإدارية التي باتتْ تفرض نفسها كأحــد أبـرز الحلول لتحقيق التنمية والتطوّرْ في البلاد، والخروج من مأزق الفساد والبيروقراطية اللذان خنقا البلاد والمدينة .
تمتلك طرابلس عاصمة لشمال لبنان دون سواها من المدن اللبنانية مقومات حصرية وقوية تجعــل منها مدينة قادرة على إستلام زمام المبادرة في إدارة مواردها الذاتية والإنطلاق في مسيرة تطـوير تملك الكثير من أسباب النجاح فيها ، والإندفاع نحـو المستقبل بخطـى ثابتة وواثقة
.

وإذا أردنا تسمية وتقسيم هذه المقومات فإننا أمام حزمة مواسعة منها :
- التاريخ : تُعتبر مدينة طرابلس مدينة تاريخية بإمتياز فهيَ تُعت المدينة المملوكية الثانية بعـد القاهـرة ، وينتشر في شوارعها العديد من الآثار التي تنتمي إلى كافة الحقب والممالك التي مرّت على المدينة ولا زالت العديد من تلك الآثار شاهدة تنبض بالحياة (قلعة طرابلس – المسجد المنصوري الكبير ، والعديد من المساجد التاريخية ، المدارس الدينية ، الأسواق الأثرية ، الحمامات ، ساعة التل ، برج السباع …) . وكيفما توجهت في هذه المدينة فإنك تشعر أنك في زيارة إلى التاريخ … هذا البعد التاريخي يُعطي المدينة مخزونًا من القدرة للإنطلاق نحــو المستقبل بثقة .
- الموقع الجغرافي : إذ تحتضن البحر الأبيض المتوسط ، وتفترش على شمالها سهـل عكار الزراعي ، وتقترب من الجبال ذات الموارد السياحية ، وتبتعد عن بيروت العاصمة 80 كلم … كل هذه المقومات تعطي طرابلس ميزة الإستفادة من الموقع وتوظيفه بما يخــدم دورها الذي يجعلها تملك صفة التوّسُطْ الجغرافي والوساطة الإقتصادية .
- السياحة : بما تمتلك من مناخ معتدل ، وآثار تتوزع على حقب تاريخية متعددة تعّجْ بها المدينة ، وبما يتواجد فيها من مواقع دينية تاريخية ، وقرب مواقع الإصطياف الجبلي الرائع والطبيعة الخلاّبة …
فإنّ طرابلس تمتلك بعدًا سياحيا ذو طبيعة تاريخية وجغرافية يجعلها مقصد السياح الذين يمكنهم تحقيق السياحة التاريخية والدينية والطبيعية في تنوع وتمازج قـلّ مثيله .
- رأس المال والمؤهلات البشرية : تمتلك طرابلس المدينة عددا من رؤوس الأموال التي حققت حضورًا ونجاحا في ميادين الإقتصاد والمال على المستوى العالمي ، كما تضم المدينة نخبة من العقول والمؤهلات العلمية المتميّزة في المجالات كافة وتتمتع المدينة بمستوى تعليم عالٍ ، كل ذلك يجعلها قادرة على قيادة ذاتية لأي عملية تطوير على أسُسْ الحداثة.
- مراكز طبيّة وتعليمية : يتوافـر في المدينة عدد من الجامعات التي تضم كافة الإختصاصات التي تجعلها قادرة على إتمام أعلى مستويات التعليم بسمعة عالية .
كما تنتشر العديد من المستشفيات العامة والخاصة والتخصصية التي تقدم أعلى مستويات الخدمات الطبية وتمتلك سمعة عالية المستوى ،وهذا الأمر يعتبر ركيزة هامة في تحقيق المستوى الطبي والإجتماعي اللازم .
- اليد العاملــة : تتوفر في طرابلس يد عاملة مهنية متطورة ومتنوعة تمتاز بالمهارات والحرفية التي برعتْ في كافة المهن، ويشهد على ذلك وجــود أسواق متخصصة ( سوق النحاسين ، سوق الخياطين ، سوق الدباغة ، سوق المفروشات ، سوق الصاغة …) ، كما تميّزت المدينة بوجود حرفيين في مجالات البناء والديكور وتصليح السيارات وغيرها من المهن، إضافة إلى إنتشار العديد من المطاعم التي تقدم أشهى المأكولات اللبنانية ، وأطيب الحلويات التي ذاع صيتها داخل وخارج البلاد .
- المنطقة الإقتصادية والصناعية : كانت منطقة البحصاص جنوب المدينة منطقة صناعية بإمتياز نشطتْ فيها العديد من الصناعات ولا زالت أبنية تلك الحقبة شاهدة على المكانة الإقتصادية الهامة التي وصلتْ إليها المدينة ؛ كما أنّ إقرار المنطقة الإقتصادية في المدينة من شأنه إستعادة الدور الإقتصادي للمدينة وتحقيق النهضة المنشودة .
- المعـــرض : من أكبر وأرقــى المعارض في الشرق الأوسط يحتل مساحة كبيرة تصل إلى مليون متر مربع وتتموضع فيها مبان ذات طراز معماري عالمي متميِّزْ ، مُهيأ لإستقبال أكبر وأرقى النشاطات الإقتصادية والثقافية والفنية .
- المطــار : يبعُــد مطار القليعات حوالي 20 كم عن مدينة طرابلس وهــو مطــار دولي مؤهــلْ لإستقبال الطائرات والرحلات الدولية ممّا يجعــل جسر العبور الدولي متوفرًا في نطاق جغرافي كبير .
- المرفــأ : تتميز المدينة بوجود مرفأ يمتد على مساحة حرة قابلة للتوسع وإستقبال أعداد كبيرة من السفن ، وبعمق طبيعي قابل للتطوّرْ بشكل يسمح برسوّ وإستيعاب أكبر السفن التجارية .
- مصفاة طرابلس : محطة النفط الهامة على شاطىء البحــر الأبيض المتوسط ، التي كانت مـورد الإقتصاد الأهمْ والقادر على تمويل عملية نهوض إقتصادي شامل بما تحققه من إيرادات ، ومن قيمة تشغيلية لليد العاملة في المدينة ، وبما تلعبه من دور إقتصادي وسياسي عربيّ ومحلي ، يُعتبر رافعة إقتصادية للمدينة ويُعطيها القدرة على إدارة وتمويل عملية النهوض .
- قرب المناطق الزراعية : حيث تتواجد المناطق الزراعية التي تؤمن كافة المحاصيل على مـــدار العام ، قريبًا من المدينة سواء في سهل عكار أو في بساتين الفاكهة في المنطقة الجبلية القريبة من المدينة .
إنّ توفر هذه المقومات وسواها ممّا تزخـر به مدينة طرابلس يعتبر ميزة وركيزة أساسية تؤمن النجاح الأكيد بحال توفر صيغة اللامركزية ، كما تعتبر البيئة المثالية للقيام بعملية تنمية مستدامة في المدينة تنهض فيها من كبوتها وتحقق نهضتها وتؤكد تفوقها …
إنّ طرح اللامركزية الإدارية ليس طرحًا عبثيًا يدخل في باب المزايدة والإحتمالات ، بل هـو حاجة فرضها فشل كل النماذج السياسية السابقة التي حوّلتْ المدينة الغنيّة بمقدراتها إلى واحدة من أسوأ المدن وأكثرها فقرًا على حوض البحر الأبيض المتوسط . ويحتاج إستكمال النجــاح في هذه التجربةإلى توفر عاملين :
- الأول : إطار قانوني وتشريعي يضع الصيغة المناسبة من اللامركزية التي تضمن تجاوز القيود البيروقراطية وتُوفِّرْ الصلاحيات التي يجب أن تُعطى لتنفيذ مندرجات هذه الصيغة .
- الثاني : الإختيار الأمثــل للقائمين على هذه الصيغة ، على مبدأ الكفاءة والأهليّة التي تضمن توفر القدرة على إستيعاب وتنفيذ خطة إنقاذ تحقق للمدينة التنمية المستدامة .
إنّ طرابلس التي دفعتْ ثمنًا كبيرًا في الحرب اللبنانية ، وثمنًا أكبر من سياسات الإهمال المتعاقبة ، ولم تحظَ من أهـل السياسة بالعناية اللازمة ، قد دخلت في مرحلة العناية الوطنية والإنسانية ، مرحلة تأكلتْ فيها قدرة المواطنين على الصبر قبل تأكل خرسانات الأبنية ، وتصدعتْ فيها الثقة بين المواطن والوطن قبل أن تتصدع مبانيها ، وصدأت فيها أحلام الناس قبل أن يصدأ حديد التسلح ، وإنهارت العلاقة بين المواطنين والدولة قبل أن تنهار الأسقف على رؤوس ساكنيها …
المدينة التي تكاد أن تسقط نتيجة كل السياسات المتعاقبة باتت تحتاج إلى مشروع إنقـــــــــــــاذ ، وإتباع صيغة سياسية كفيلة بتحرير المدينة وتطويرها وإستعادة الثقة بين الوطن والمواطن ، والإنطلاق في مشروع تنمية رائد … اللامركزية الإدارية مشروع إنقاذ وتنمية مستدامة .




