المدن
تتحرك الجبهة اللبنانية على إيقاع التطورات الحاصلة على الخط الإيراني. في هذه اللحظة، لم يعد من السهل الفصل بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، في ضوء الربط الإسرائيلي الكامل بينهما، والتعامل مع الوضع في لبنان بوصفه مكمّلاً لذاك القائم في إيران. كما أن شريحة واسعة من اللبنانيين باتت، بدورها، تربط مصير البلاد بمآلات المواجهة المرتقبة هناك.
مسيّرة فوق قاعدة حامات
في هذا المناخ تحول تحليق مسيرة في محيط قاعدة حامات الجوية إلى حدث خطير وإن سعت بعض الأجهزة الأمنية إلى التقليل من شأنه. تضم القاعدة عسكريين أميركيين يشرف بعضهم على تدريب الجيش اللبناني، وآخرون من وحدات خاصة نُقلت مؤخراً من العراق. عملياً، تولّى الجنود الأميركيون إسقاط المسيّرة، ثم صدرت أوامر لهم بالتحرك خارج القاعدة بهدف البحث عن المسيرة ومصادرتها، وفي اثناء ذلك حصل توتر مع عناصر من شرطة البلدية، بعدما رُصد وجود مسلحين غرباء داخل البلدة.
تكتسب حادثة المسيّرة أهميتها من توقيتها، إذ جاءت في لحظة بلغ فيها التصعيد الكلامي الأميركي تجاه إيران مستوى غير مسبوق من الجدية، وطهران ترد بإشارات واضحة مفادها أن أي ضربة لن تبقى محصورة داخل حدودها وستؤدي إلى إشعال المنطقة.
الربط من جبهة إيران
في هذا السياق، تتكثف الرسائل التي تفيد بأن جبهة لبنان لن تكون محيّدة. وهنا يظهر تقاطع إيراني – أميركي – إسرائيلي في النظرة إلى المسرح اللبناني، باعتباره ساحة ملازمة لأي مواجهة كبرى. ولم يكن عابراً أن تعرض قناة “العالم” الإيرانية مشاهد جوية لقاعدة حامات بالتزامن مع الإعلان عن تحليق المسيّرة وإسقاطها، من دون توضيح طبيعة تلك الصور أو تاريخ التقاطها. عملياً، أدى الحادث إلى نشوء نوع من الشعور الحقيقي أن الساحة اللبنانية ستكون منغمسة. دفع ذلك إلى تفعيل خطط الطوارئ في قاعدة حامات، وامتد الأمر إلى السفارة الأميركية في عوكر، وسط حديث عن رصد مسيّرة حلّقت قبل مدة في محيط المبنى، وكذلك إلى سفارات غربية أخرى بدأت باتخاذ إجراءات احترازية استثنائية.
هجوم البقاع واغتيال قادة الرضوان
تزامن هذا المشهد مع تصعيد إسرائيلي في البقاع، حيث استهدفت ضربات قادة ومساعدين في حزب الله، وأوقعت مجزرة في صفوف مدنيين. تزعم إسرائيل أن المستهدفين ينتمون إلى ما تسميه “الوحدة الصاروخية”، وأنهم كانوا في طور التحضير لعمل ما. غير أن نمط العملية وتوقيتها وأسلوب تنفيذها يعيدان إلى الأذهان اغتيالات سبقت محطات تصعيد مفصلية وتستحضر أنماطاً مشابهة لعملية اغتيال قادة “الرضوان” في الضاحية الجنوبية لبيروت في 20 أيلول 2024، والتي سبقت مرحلة تصعيد عسكري كبير بعد اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله.
من جهة أخرى، يمكن ربط الهجوم بسياقات التوتر الإقليمي والنهج الذي تتبعه إسرائيل منذ مدة في مقاربتها العسكرية لحزب الله. فتل أبيب تكاد تجزم بأن الحزب سيحرّك قوته الصاروخية تجاهها في لحظة صفر في أي هجوم على إيران. وبصرف النظر عن صحة هذا التقدير، فإن إسرائيل، حتى لو اختار الحزب تحييد نفسه، ستعمل على محاولة خلق ذريعة دائمة لتبرير أي عمل عسكري استباقي ضده، مستفيدة من أي فرصة لتدمير مخزون صواريخه شمالي الليطاني، وإجهاض أفكار متداولة حول تحييد السلاح أو تجميده أو حتى تولّي الجيش مهمة نزعه. ذلك أن إسرائيل، رغم الضربات المتكررة، لم تنجح في حسم المواجهة، فيما يواصل الحزب، وفق تقديراتها، عمليات التعافي.
تحرك دبلوماسي لتحييد لبنان
داخلياً، تتحرك القنوات السياسية بكثافة غير معلنة. جزء منها موجه إلى الحزب، الذي لا يقدّم أجوبة واضحة بشأن تموضعه في حال حصول هجوم على إيران، سواء كان ضربة محدودة أم حرباً واسعة. وبحسب المعطيات، جاءت الرسائل الرسمية في إطار محاولة إقناعه بعدم الانخراط في الحرب إذا اندلعت. وعُزّز هذا المسعى بما نقلته مسؤولة أمنية إلى لبنان بعد زيارتها الأراضي المحتلة، حيث تحدثت عن رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مفادها أن إسرائيل ستتعامل مع أي طلقة تُطلق من لبنان على أن الحكومة اللبنانية مسؤولة عنها، وهذا ما يعني اعتبار لبنان منغمساً في الحرب وبالتالي تصبح كامل أصول الدولة أهدافاً مشروعة.
في المقابل، تتحرك الدبلوماسية اللبنانية نحو الخارج لاستطلاع مآلات التعاطي الدولي مع لبنان وفي محاولة منها لتوفير نوع من الحماية أمام التهديدات الإسرائيلية. وقد زاد منسوب التحركات بعد الاستهدافات التي طالت عين الحلوة والبقاع، مع الإشارة إلى أن إسرائيل تعمدت تقديم نوع من استعراض القوة عبر استخدام البوارج الحربية.
الحزب ملتزم الدفاع عن النفس
في الداخل، توحي الأجواء بأن ما تلقاه المسؤولون، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، يشير إلى غياب قرار لدى الحزب بالانخراط في إسناد مباشر لإيران. غير أن ذلك لا يعني التزام الحياد إذا قررت إسرائيل شن حرب عليه مستفيدة من الظرف الإقليمي. فمن وجهة نظر الحزب، تجهز إسرائيل الميدان لهجوم يستهدفه. وبالتالي فإن أي تحرك محتمل من جانبه سيأتي في سياق الدفاع عن النفس، وهو ما سبق أن أشار إليه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في أكثر من خطاب، متحدثاً عن انتقال الحزب من وضعية الهجوم إلى الدفاع.
في المحصلة، يقرأ الحزب نية واضحة لاستهدافه، ويسأل عن موقف الدولة في حال حصول ذلك، فيما تبدو قيادته حريصة على كيفية إدارة التهديدات العسكرية ضده وتتحضر لكافة السيناريوهات. لكنه، في الوقت نفسه، لن يمتص أي هجوم واسع النطاق، وإذا تحرّك فلن يكون ذلك بوصفه إسناداً لإيران، بل دفاعاً عن النفس أمام هجوم إسرائيلي صريح ضده – وهي الحجة التي سيرتكز إليها إذا انزلق لبنان إلى حرب جديدة.






