مَن المسؤول عن مشهدية الالم في بلادي بين سرديات المقاومة والسيادية؟! هل أمسينا “بابل سياسيّة”، بدون بوصلة، حيث الشعوب تَمُوت قَبل ان تُقتل؟ من لا يقرأ بالتحولات الجيوسياسية والفكرية في زمن التحولات الكبرى، لا يَسْتَبِق، بل يُسبَق، ولا يَحكُم، بل يُحكَم!

0
79

بقلم المحامي كارول سابا

نفسي حزينة حتى الموت! آه، كم هي مؤلمة مشهدية الألم في بلادي بالأمس، واليوم! كم هي مؤلمة مشهدية رمي آلاف المواطنين على الطرقات هكذا بفعل الريموت كونترول، تماما كما حصل في سابقة لم يمض عليها الزمن بعد!

من المسؤول عن تراكم التناقضات في بلادي وعن تمادي الانفصامية السياسية؟ من المسؤول عن حالة التشظي الوطنية هذه التي يشهدها لبنان اليوم في عز أكبر الازمات الوجودية واخطرها على كيانية لبنان وسيادته الوطنية على كامل اراضيه؟!

من المسؤول عن تكرار نفس التجارب القاتِلة التي تَدُكّ لبنان أكثر فأكثر في اتون الحديد والنار، وتجعله مادة مُسَيَّلة لحروب الآخرين ومصالحهم؟ من المسؤول عن ترك لبنان والامور على هذا التفلت دون سقف وطني يجمع الجميع حول الأخطار الوجودية، وحول التفاهم على طريقة واحدة لمُجابهتها؟

من المسؤول عن فقدان البوصلة الوطنية، وعن عدم ترميم المناعة الوطنية، بحيث نظهر اليوم مُشتتين مُفككين، كعربة خيل يدفع بها احصنة كل في اتجاه؟

المقاومة ليست جرم يا سادة! هي حق طبيعي تحفظه كل الدساتير والمواثيق! لكن نعم هي جريمة كبرى عملية زج لبنان، كل لبنان، بطريقة آحادية هكذا دون سقف وطني جامع، زجه في الاتون المُحتدِم، على خط الحديد والنار الإقليمي والدولي، في عالم مُتحَوِّل، مُتغَيِّر، لاعقلاني، مسياني الطابع والجوهر الى اقصى الحدود، لا سقف لخطورته، لا ناقة فيه ولا جمل حتى لدول إقليمية كُبرى وحتى لدول عُظمى في معادلة مصلحية بدأت تتموضع على رُكام القانون الدولي، معادلة “حق القوة” على حساب “قوة الحق”!

بالمقابل، يا سادة، السيادية هي منهجية فكرية ونموذجية. طبعا، حصر السلاح بيد الدولة واستعادة سيادتها على قرارها في السلم والحرب مفصلي، واساسي، وجوهري، وهو ليس بجريمة، بل على العكس، هو الصح الوطني لإعادة وضع الحصان الوطني في المسار الصحيح لتدعيم مُعادلة “لبنان أولا” فوق كل اعتبار، وذلك من خلال اعادة بناء وتمكين دولة القانون وضرب الدويلات، “كل” الدويلات، فيه!

لكن المسؤولية الوطنية الكبيرة يا سادة، تكمن في استراتيجية استعادة المناعة الوطنية، وليس في القرارات الورقية، بل في مواكبة هذا المنهج السيادي بنموذجية وطنية، نموذجية وعي وتمييز ومناعة وطنية، ونموذجية حزم في السيادية الحقة، ونموذجية عدلٌ عادِل في الملفات المفصلية واولها، الملف المالي أولا، نموذجية تجاه سرقة العصر، وسرقة اموال المودعين، ونموذجية سياسية سيادية بالمعنى الحقيقي، ضد الفساد والمفسدين وعدم تعيين من هم في شهبات الى حين تبرأتهم، السيادية الحقة وليس السيادية بالمعنى المُبتذل الذي نسمعه تبخيرا على الشاشات بفم الوزراء والسياسيين والمتسلقين المصلحيين والمستشارين

نموذجية سياسية وسيادية وطنية من خلال خطة شاملة لإعادة لمّ الشمل الوطني وضرورة الخروج من منطق التبعيات الخارجية (كل التبعيات) وتجديد وتحديد مفاهيم مشتركة للأخطار الوجودية التي تتربَّص بلبنان اليوم الان وهنا، ومنها ليس فقط، الأخطار الآتية من الجنوب، والشمال، ولكن ايضا من بعض الشرق وبعض الغرب المُتغير المتحول !

فكفى تعمية وانفصامية يا سادة. فهل الغرب واحدٌ اليوم، وعلى نفس القلب يا سادة؟! هل الشرق (اي الصين وروسيا والهند ودول البريكس ودول الجنوب الشامل) واحدٌ اليوم، وعلى نفس القلب؟! هل الشرق العربي واحدٌ اليوم، وعلى نفس القلب؟! هل الخليج العربي، واحدٌ اليوم، وعلى نفس القلب؟!

من لا يقرأ بالتحولات الجيوسياسية الكبرى لا يَستبِق بل يُسبَق، وبالتالي لا يَحكُم بل يُحكَم!

مَن وضع هذه العربة واحصنتها المُتناقضة التي تدفع باتجاهات مُتضاربة الى حد فسخ الرداء الوطني كما هو حاصِل اليوم؟ من وضعها وشكلها بطريقة المُحاصصة، وهي نمت وتلاقت أطرافها وتصوروا سوية في مجلسهم، ورأينا كم هم يقهقهون سوية وكم هم فرحين حيث هُم بالمعالي، واستمرت هكذا بتناقضاتها الى حين ساعة الحقيقة المُرَّة اليوم التي تبدو فيه على انفصامية مُتمادية، لا سقف وطني جامع فيها، وامست عاجزة الا عن تعداد القتلى والجرحى وتعداد البطانيات؟

من المسؤول عن كل هذا التفلت القاتِل، وعن هذا التباعُد المُجرم بين المكونات اللبنانية والتي يشهد على انفصامية طبقتها السياسية انها كانت ذاهبة بالامس الى انتخابات نيابية وكأن كل شيء على ما يرام، في حين ان صب الحديد والنار كان يتحضَّر ليُصَبّ ويُدَكّ على رؤوس الجميع؟ وهم يقولون لك اليوم وجدنا حجة التمديد!!! وسموها القوة القاهرة!!! اي “فورس ماجور” وكأنها غير معروفة مُسبقا؟!

في اية بلاد وطني مأسور ومع اية طبقة سياسية مصلحية؟!

من المسؤول عن عدم “ضَبّ” كل من يُغرِّد في جهته براديكالية فكرية متمادية، هؤلاء تحت مسميات المقاومة، وهؤلاء تحت مسميات السيادية، وكأنهم هم وحدهم موكلين بحماية وخلاص لبنان؟

اين الشعب اللبناني الفذ والذكي؟ اي النخب ؟ الجميع في الكوما؟

إنتُخب بابا جديد واعد، وقرر ان يأتي الى لبنان في اول عمل دولي له. ونحن، كل همنا كان، كيف نُبهره بالرقص والطقش والفقش والملابس الجميلة والكيروغرافيات على أنواعها، في بلد يتقهقر فيه الفقر، وكل همنا “سينوغرافيا وحدة” وليس الوحدة الفعلية، فجمعنا جميع الاضداد في صورة واحدة، قادة لا يقودوا شيئ، والمتسلقين، وممثلي الطوائف الطايفة على بعضها البعض، وكأن الوحدة الوطنية هي تكمن في ديبلوماسية الصور وتصوير المشهديات الآنيَّة؟

الم يكن من الاجدى عدم إضاعة هذه الفرصة الدبلوماسية الفريدة لوضع لبنان تحت جناح حماية ديبلوماسية الفاتيكان الدولية، الوسيط السياسي المنزه الوحيد الذي بقي لنا، كمقدمة لتحييده عن كل الصراعات واجبار على قبول ذلك كل المحليين والاقليميين والدوليين الذين يريدون إبقاؤنا في خط الحديد والنار، والذي قادتنا يبخرون لهم في كل صباح ويولمون لهم في كل مساء ؟

اين الديبلوماسية اللبنانية التي كانت فاعلة ومؤثرة، ولنا فيها اليوم احبة واصدقاء؟ اين تعلية الصوت في الفاتيكان والامم المتحدة ومراكز القرار؟ اين القيادات اللبنانية التي كانت تستقل الطائرات لتجول في الازمات على مراكز القرار لوقف النزيف وإنقاذ لبنان؟ هل انكفأنا الى اتصالات تلفونية تستجدي سفير من هنا ورؤساء دول كبرى من هناك هُم نفسهم في ازمة عميقة وأزمة عدم تأثير في دولهم وعالم اليوم؟ اين مخاطبة مراكز القرار في العالم؟

مشهدية لبنان اليوم تؤلمني ليس فقط من ناحية ألم الناس، بل من ناحية ما أشعر به في لبنان والشرق، في كل زيارة لي لبلدي الحبيب، لبناني الحبيب، عن ألم فُقدان الامل.

عندما كنا نتضامن فكريا وكتابيا مع المقاومة اللبنانية مع بشير

فقدان الامل ليس اليوم فقط بسبب الألم وسرقة اموال الناس وتفقيرهم، بل لأننا أمسينا مُشتتين تقسيميين قولا وفعلا، وبلا سقف وطني، لا قدرة لنا على التوحيد ولا التقسيم، في حين الناس تُزجّ في أتون الحروب بدون سقف!

هل كل ذلك لأننا أمسينا “بابِل سياسية” حيث الشعوب تموت قبل ان تُقتل؟!

ويبقى ارزك عالٍ، لا يَطاله احدٌ، لانه ارزُ الرّب، رب الارباب !