المدن
بعد زيارته عين التينة، خرج سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى خالي الوفاض. فمحاولته إقناع رئيس مجلس النواب نبيه بري بتسمية شخصية شيعية ضمن وفد التفاوض مع إسرائيل لم تُكتب لها النجاح، وكذلك محاولته فصل مسار حرب لبنان عن إيران. قبل ذلك، استقبل بري سفير فرنسا لدى لبنان هرفيه ماغرو الذي أوضح أن لا مبادرة فرنسية، بل مجرد أفكار للتداول لم تتبلور بعد، ناصحاً بمشاركة المكوّن الشيعي في لجنة المفاوضات التي تشكلها بعبدا.
سفيران وأسلوبان مختلفان: عيسى المستعجل على إنجاز مبدأ التفاوض، حتى لو لم تخرج نتائجه بأكثر من صورة تجمع الوفدين على طاولة مفاوضات مباشرة، لكسر الحظر على المبدأ، وهو لا يوافق على طلب لبنان وقف الحرب قبل التفاوض. في المقابل، يظهر ماغرو اهتماماً باستضافة مفاوضات تحت سقف موقف وطني موحّد، على اعتبار أن من شأن المفاوضات أن تقود إلى وقف الحرب.
خارج عين التينة، لم تتلقَّ بعبدا مبادرات جديدة، فيما فعّلت قنواتها السياسية والدبلوماسية لتوضيح موقفها من المفاوضات وطلب وقف الحرب، لضمان موافقة كل المكوّنات على التفاوض.
يخشى رئيس الجمهورية جوزاف عون الدخول في مفاوضات من دون الشيعة. وفي ذهنه تجربة إسقاط اتفاق 17 أيار، وما يمكن أن ينتج عن قرار استراتيجي كهذا تتحمل بعبدا تبعاته بمفردها. وكذلك هو موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، الذي طالب حزبه بإعداد “ورقة لبنانية موحّدة تحدد الأهداف من التفاوض والثوابت الوطنية التي يجب أن تُجرى تلك المفاوضات على أساسها”، مؤكداً أن “المفاوضات يجب ألا تستثني أي مكوّن من المكوّنات اللبنانية، تفادياً لتكرار تجارب شهدها لبنان في العقود الماضية”.
وتلخّص مصادر سياسية معنية واقع التفاوض بالقول إن لبنان يسعى إلى تشكيل وفد استعداداً لمفاوضات يكون هدفها وقف الحرب والحد من الخسائر البشرية والمادية. وتخالف المصادر الرسمية موقف المطالبين بوقف الحرب قبل التفاوض، لأن إسرائيل لن تقبل شرطاً كهذا، متسائلة: ما الذي يمنع الذهاب إلى مفاوضات قد تقود إلى وقف الحرب؟
تميل بعبدا إلى وجهة النظر هذه، وإن كانت تحاذر اتخاذ قرار بالتفاوض بشكل أحادي، على الرغم من الضغط الأميركي للمضي في هذه الخطوة. فالمواقف التي يرددها السفير الأميركي هذه الأيام قاسية للغاية وصريحة إلى حد التحذير.
مرونة بعبدا والسراي حيال التفاوض، وإن جاءت تحت الضغط، لا تنطبق على عين التينة. فقد فشلت كل محاولات ثني رئيس مجلس النواب نبيه بري عن موقفه الرافض لموضوع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. وما يمكن فهمه من منطق رفض الثنائي أن طلباً كهذا يأتي منفصلاً عن حقيقة الوضع في المنطقة، التي تجعل الربط بين حربي إسرائيل على إيران ولبنان أمراً حتمياً، وأن محاولة فصل جبهة لبنان عن جبهة إيران غير قابلة للصرف، إذ يُقصد منها استفراد لبنان واستضعافه.
وقد حسم الثنائي بجناحيه استحالة فصل الساحات بين لبنان وإيران، وأن الحل يجب أن يكون شاملاً. والعقدة بالنسبة لبري ليست في تسمية شخصية تمثل الشيعة في وفد التفاوض، فالمسألة هنا ليست طائفية ولا تتعلق بموفد سني أو شيعي، بل إن المطلوب أبعد وأهم، وهو انتزاع تعهد من إسرائيل بوقف الحرب على لبنان، ورفض التفاوض تحت النار، وعودة النازحين، وإلا فإن كل ما يُطرح يبقى حلولاً موضعية لا تعالج أصل المشكلة من جذورها.
أما حزب الله فلن يرضى بانفصال جبهة لبنان عن إيران، وهو “المرتاح” لمسار الجبهة التي يخوضها ضد الحرب الإسرائيلية على لبنان. فقد دخل الحزب الحرب ليربط مصيره بمصير إيران، ولن يسمح بفصل المسارين في أي مفاوضات.
من جهته، يريد بري أن تضمن المفاوضات تأمين الأموال لإعادة إعمار الجنوب، والانسحاب الكامل مقابل تسليم السلاح، وهو التزام لن يحصل عليه من إسرائيل أو الولايات المتحدة.
أما إسرائيل فلا تبدو متحمسة للتفاوض قبل تحقيق “انتصار عسكري”. وتقضي خطتها العسكرية بالسيطرة على جنوب لبنان. وتشير ورقة نشرها مركز ألما للدراسات إلى أن إسرائيل ينبغي أن تعمل على تفكيك قوة حزب الله جنوب نهر الليطاني، وشن عمليات عسكرية قد تستمر أسابيع أو أشهر، إضافة إلى إنشاء منطقة عازلة بعمق عشرة كيلومترات داخل لبنان، مع عدم السماح بعودة السكان إليها، ومنع إعادة بناء القرى فيها، واعتبار أي محاولة لإعادة الإعمار خرقاً يبرر ضربات إسرائيلية.
ووفق الرؤية الإسرائيلية، فإن كل ذلك لا يتحقق إلا من خلال إضعاف حزب الله عسكرياً، وتفكيك بيئته الاجتماعية، وخنقه مالياً، وإبقائه تحت ضغط عسكري دائم، عبر عملية طويلة قد تستمر سنوات.
كل ما سبق يقود إلى استنتاج واحد: لا أفق للتفاوض حالياً، والأوضاع تميل نحو الأسوأ.
غير أن ما كشف عنه مسؤول أميركي عن وجود قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد يفتح باب أمل. ويؤكد الثنائي أنَّ أيَّة تسوية مقبلة ستشمل لبنان وإيران معاً، لأن إيران لن تقبل بإنهاء حزب الله عسكرياً، كما أن حزب الله لن يوقف جبهة إسناده إلا بتسوية تفرضه وإيران طرفاً على طاولة التسوية.





