المصدر المدن
يتّجه المشهد في لبنان إلى مزيدٍ من التّصعيد، في ظلّ مؤشّراتٍ إسرائيليّةٍ متزايدةٍ إلى أنّ الحرب لم تعد محصورةً في إطار الضربات المتبادلة، بل باتت تأخذ منحىً أكثر اتّساعًا ووضوحًا في الأهداف الميدانيّة والسّياسيّة. وفي هذا السياق، كشفت القناة 14 الإسرائيلية عن وجود اتّفاقٍ داخل إسرائيل على توسيع السيطرة البرّية في لبنان وصولًا إلى حدود مدينة صور، مع إقامة ما لا يقلّ عن 18 موقعًا عسكريًّا داخل الأراضي اللبنانية. وبحسب ما أوردته القناة، فإنّ هذا التوجّه يندرج ضمن قرارٍ يتّصل بنزع سلاح “حزب الله” وفرض السيطرة حتى خطّ القرى الثالث. ونقلت القناة، أنّ المستوى السياسي اتفق بشأن إبعاد الحدود الشمالية مع لبنان بنحو 8 كيلومترات، وكذلك اتفق على أن التوسيع سيستمر حتى إشعار آخر.
ولا يبدو هذا الطرح تفصيلًا عسكريًّا عابرًا، بقدر ما يشير إلى سعيٍ إسرائيليٍّ لإعادة رسم الوقائع الميدانيّة في الجنوب اللبناني، على نحوٍ يشي بمشروع احتلالٍ ممتدٍّ، أو في الحدّ الأدنى بفرض شريط نفوذٍ عسكريٍّ دائم.
تحرّكٌ عربيٌّ يدخل على خطّ الأزمة
في موازاة هذا التّصعيد، وبعد إعلان وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس المصادقة على ضرب أهدافٍ جديدةٍ في لبنان، برز أوّل تحرّكٍ عربيٍّ باتجاه بيروت، من خلال زيارة وزير الخارجية المصريّ بدر عبد العاطي إلى لبنان غدًا.
وعلمت “المدن” أنّ عبد العاطي، الذي سيصل إلى بيروت في زيارةٍ تستمرّ يومًا واحدًا، سيلتقي الرؤساء الثلاثة، كما سيزور مركزًا لإيواء النازحين في بئر حسن. وتشير المعلومات إلى أنّ الوزير المصريّ يحمل معه تصوّراتٍ وأفكارًا تتعلّق بمخارج الأزمة وآفاق احتوائها، على أن يستمع، في المقابل، إلى المقاربة اللبنانية للأحداث، ولا سيّما في ضوء قناعةٍ متناميةٍ بأنّ أيّ مسار حلٍّ محتملٍ لا يمكن عزله عن السياق الإقليميّ الأوسع وما يعتمل فيه من اتصالاتٍ ومساعٍ ومساومات.
قاسم: رفض حصريّة السّلاح
وعلى الضفّة اللبنانية، برز موقفٌ للأمين العامّ لـ”حزب الله” نعيم قاسم، اتّسم بلهجةٍ عالية السقف، إذ شدّد على أنّ “المقاومة أعدّت العدّة المناسبة، ومقاوموها مصمّمون على الاستمرار بلا سقف، وهم الآن رمز الوطنيّة الساطع”.
وفي بيانه، اعتبر قاسم أنّ “عندما تطرح حصريّة السلاح تلبيةً لمطلب إسرائيل مع استمرار الاحتلال والعدوان، فهي خطوةٌ على طريق زوال لبنان وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى”، مؤكّدًا أنّ “عندما يطرح التفاوض مع العدوّ الإسرائيليّ تحت النار، فهو فرضٌ للاستسلام وسلبٌ لكلّ قدرات لبنان، فضلًا عن أنّ التفاوض في الأصل مرفوضٌ مع عدوٍّ يحتلّ الأرض ويعتدي يوميًّا”.
ولم يكتف قاسم بالموقف من الداخل اللبناني، بل ذهب إلى تأطير المواجهة ضمن ما وصفه بالمشروع الأميركيّ الإسرائيليّ الهادف إلى قيام “إسرائيل الكبرى”، القائمة على “الاحتلال والتوسّع من الفرات إلى النيل بما فيها لبنان”. كما أشار إلى أنّ العدوان على لبنان “لم يتوقّف منذ 27 تشرين الثاني 2024، ولم يلتزم العدوّ الإسرائيليّ بالاتفاق، بل استمرّ بعدوانه بشكلٍ متواصلٍ على مدى خمسة عشر شهرًا”.
وفي مقاربته لمسألة الوحدة الوطنية، قال قاسم: “الوحدة ألّا تتّخذ الحكومة قراراتٍ تخدم المشروع الإسرائيليّ، ولو لم ترد ذلك، لكنّ النتيجة لمصلحة إسرائيل. والوحدة الوطنيّة أن تعود الحكومة عن قرارها بتجريم العمل المقاوم والمقاومين”.
كاتس يعلن توسيع الأهداف
في المقابل، تتسارع المؤشّرات إلى أنّ إسرائيل تتعامل مع الجبهة اللبنانية بوصفها ساحةً مفتوحةً على مزيدٍ من التوسّع. وقد عبّر وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس عن هذا الاتّجاه بوضوحٍ، حين أعلن أنّه صادق على “أهدافٍ عسكريةٍ جديدةٍ في عمق الأراضي الإيرانية وفي لبنان”.
وفي أخطر المواقف المعلنة، قال وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس إنّ الجيش سيحتلّ جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، في أوّل تصريحٍ من هذا النوع تكشف فيه إسرائيل صراحةً عزمها السيطرة على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي اللبنانية، تقدّر بنحو عشر مساحة البلاد.وأضاف كاتس، خلال اجتماعه أمس الثلاثاء مع رئيس الأركان، أنّ الجيش “سيسيطر على ما تبقّى من الجسور والمنطقة الأمنية حتى نهر الليطاني”. ويضع هذا الموقف التهديد الإسرائيليّ في إطارٍ أكثر وضوحًا وخطورة، إذ لم يعد مقتصرًا على الضغط العسكري، بل بات يقترب من إعلان نيّةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ لفرض وقائع احتلاليةٍ جديدةٍ على الأرض اللبنانية.
وفي الإطار نفسه، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، نقلًا عن مصادر عسكريةٍ إسرائيلية، بأنّ القتال ضدّ “حزب الله” سيتواصل بمعزلٍ عن ملفّ إيران، في دلالةٍ على أنّ تل أبيب تنظر إلى المواجهة في لبنان على أنّها مسارٌ قائمٌ بذاته، لا مجرّد فرعٍ من اشتباكٍ إقليميٍّ أوسع.
حزب الله يوسّع عملياته
في الجهة المقابلة، أعلن “حزب الله” توسيع نطاق عمليّاته، مؤكّدًا تنفيذ 53 عمليّةً خلال يوم أمس، توزّعت بين التصدّي لمحاولات التوغّل الإسرائيليّ في قرى الحافّة الأماميّة، واستهداف مواقع وتجمّعاتٍ في العمق الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، أصيب رجلان، الأربعاء، جرّاء سقوط شظايا صاروخيّةٍ قرب أحد مفارق مدينة كرمئيل، إثر رشقةٍ صاروخيّةٍ أطلقت من لبنان. كما نفّذ الحزب رشقاتٍ صاروخيّةً أخرى، وأطلق طائراتٍ مسيّرةً نحو منطقة حيفا وبلداتٍ عدّة، فضلًا عن بلداتٍ حدوديّةٍ في الجليل الأعلى والجليل الغربي، مستهدفًا أيضًا تجمّعات الجيش الإسرائيليّ في عددٍ من المواقع الحدوديّة وفي جنوب لبنان.
إنذارات إخلاءٍ وتصعيدٌ جوّيٌّ دمويّ
وعقب ذلك، وجّه الجيش الإسرائيليّ إنذاراتٍ إلى سكّان بلدات “مقام النبي قاسم، ومعسكر القاسمية، والبرغلية، وبرج رحّال، وضهر العامود، وشبريحا”، داعيًا إيّاهم إلى الإخلاء والنزوح نحو شمال نهر الزهراني، تمهيدًا لمهاجمتها، وذلك تحت ذريعة أنّ “أنشطة حزب الله تجبر الجيش على العمل ضدّه بقوّةٍ في تلك المناطق”.
وفي سياق الغارات، استشهد مسعفان في غارةٍ إسرائيليةٍ على مدينة النبطية جنوبيّ لبنان، فيما أعلن الجيش الإسرائيليّ صباح الأربعاء أنّه هاجم أهدافًا في الضاحية الجنوبية لبيروت ليلًا، قال إنّ من بينها مقرّ قيادةٍ ومحطّات وقودٍ تموّل نشاط “حزب الله”، إلى جانب بنىً تحتيّةٍ أخرى.
توغّلٌ في دبل ومؤشّراتٌ إلى دفعٍ برّيٍّ أعمق
ميدانيًّا، أفادت معلوماتٌ عن توغّلٍ إسرائيليٍّ في اتّجاه بلدة دبل في قضاء بنت جبيل. وبحسب المعطيات، فإنّ الجيش اللبنانيّ انسحب كلّيًّا من البلدة الجنوبيّة، فيما بدأت القوّات الإسرائيلية التقدّم باتّجاهها.
كذلك تحدّثت معلوماتٌ عن إصابة ثلاثة أشخاصٍ جرّاء استهداف الجيش الإسرائيليّ أحد المنازل في بلدة دبل، فيما كان أصحاب المنزل ينقلون أغراضهم لحظة تعرّضهم للقصف.
حصيلةٌ مرتفعةٌ للضّحايا وموجة نزوحٍ كبرى
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية، فجر اليوم الأربعاء، استشهاد 9 مواطنين وإصابة 47 آخرين على الأقلّ بجروحٍ في غاراتٍ إسرائيليةٍ استهدفت مناطق عدّةً في جنوب لبنان. وقالت، في بيانٍ، إنّ غارةً إسرائيليةً على بلدة عدلون في قضاء صيدا أدّت إلى استشهاد 4 مواطنين وإصابة مواطنٍ بجروح.
كما أفادت بأنّ غارةً إسرائيليةً استهدفت شقّةً في مخيّم الميّة وميّة للاجئين الفلسطينيّين في صيدا، أدّت إلى استشهاد مواطنين وإصابة 4 آخرين بجروح.
وفي قضاء النبطية، أدّت غارةٌ إسرائيليةٌ على بلدة حبوش إلى استشهاد 3 مواطنين وإصابة 18 آخرين بجروح، وفقًا لوزارة الصحة اللبنانية.
وفي الحصيلة الإجمالية، أعلنت الوزارة سقوط 1072 ضحيّةً على الأقل، بينهم 121 طفلًا و81 امرأةً و42 فردًا من الطواقم الطبية، إضافةً إلى نزوح أكثر من مليون شخص، جرّاء القصف الإسرائيليّ على جنوب لبنان منذ أوائل الشهر الجاري.
الضّاحية والجنوب تحت نيرانٍ مكثّفة
وشنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ، فجر اليوم الأربعاء، موجة غاراتٍ عنيفةٍ على الضاحية الجنوبية لبيروت، ترافقت مع تحليق المسيّرات والطيران الحربيّ على علوٍّ منخفضٍ فوق بيروت والساحل اللبناني.
وكانت مناطق لبنانيةٌ عدّةٌ قد تعرّضت لاعتداءاتٍ إسرائيليةٍ طالت صيدا وبشامون، قبل أن يتصاعد المشهد ويبلغ ذروته في مدينة صور، حيث شنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ غاراتٍ عنيفةً ومكثّفةً أعقبت تحذيراتٍ مسبقة، في تصعيدٍ يعكس اتّساع رقعة الاستهداف وارتفاع منسوب العدوان.
وشمل القصف الجويّ الإسرائيليّ عددًا من القرى والبلدات الجنوبية، فضلًا عن استهداف محطّات “الأمانة” التابعة لـ”حزب الله” في النبطية وعددٍ من القرى الجنوبية.
كما واصلت إسرائيل استهداف البنية التحتية، إذ شنّ طيرانها الحربيّ غاراتٍ على خمسة جسورٍ، مع تهديداتٍ بقصف المزيد، بالتوازي مع تكثيف استهداف المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، في ما يبدو جزءًا من خطّةٍ لإحكام السيطرة على تلك المناطق ضمن مخطّط احتلالٍ طويل الأمد.






