صحيفة الأخبار: استعادت المقاومة زخم عملياتها العسكرية رداً على خرق العدوّ لاتفاق وقف إطلاق النار، واعتداءاته المتكررة، ونفذت امس سلسلة عمليات نوعية توزعت بين العمق الاستيطاني والمواجهات من «مسافة صفر» في بنت جبيل، في انتقال واضح من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية «إعادة فرض قواعد الاشتباك» بالنار.
وكثّفت المقاومة استهداف المستوطنات الشمالية بصليات صاروخية متتالية وأسراب من المسيّرات الانقضاضية، طالت مستوطنات كريات شمونة والمطلة والمنارة وأفيفيم وشلومي وشوميرا وكابري، وصولاً إلى نهاريا ومسـكاف عام. وبرز بشكل خاص التكرار الكثيف لاستهداف كريات شمونة، بهدف استنزاف منظومات الدفاع الجوي وفرض ضغط نفسي وميداني متواصل على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. كما عكست طبيعة الوسائط المستخدمة، بين الصواريخ التقليدية والمسيّرات، توجّهاً نحو اختبار متعدد الطبقات للدفاعات الإسرائيلية، يجمع بين الكثافة النارية والاختراق النوعي، بالتوازي مع توسيع دائرة الاستهداف جغرافياً.
ميدانياً، شكّلت مدينة بنت جبيل محور الاشتباكات، فأعلنت المقاومة خوض مواجهات مباشرة من «مسافة صفر» مع قوة إسرائيلية حاولت التقدّم نحو سوق المدينة، بالتزامن مع قصف تجمعات الآليات في محيط مجمّع موسى عباس ومثلث التحرير والمهنيّة. هذا النمط القتالي يعكس اعتماد تكتيك «الدفاع النشط»، القائم على الاشتباك المباشر مدعوماً بنيران إسناد، بهدف عزل القوة المهاجمة ومنعها من تثبيت أي موطئ قدم داخل المدينة، في تكرار لتجربة عدوان تموز 2006 ولكن بأدوات أكثر تطوراً.
بالتوازي، نفّذت المقاومة سلسلة عمليات دقيقة استهدفت آليات ومواقع إسرائيلية، شملت إصابة آليات بصواريخ موجهة في بلدة الطيبة واستهداف دبابة ميركافا وجرافة عسكرية من نوع D9 بمسيّرات انقضاضية، وضرب مواقع عسكرية وتجمعات جنود في موقع المرج وهضبة العجل وموقع العاصي وثكنة هونين. وتشير هذه العمليات إلى تركيز واضح على «شلّ القدرة الهجومية» للجيش الإسرائيلي، عبر استهداف المنصات القتالية نفسها، وليس فقط الأفراد، ما يعكس مستوى متقدماً من الرصد والاستطلاع وقدرة على إدارة النيران بشكل متكامل.
في المحصلة، تكشف هذه العمليات عن انتقال المقاومة إلى مرحلة المبادرة الميدانية ربطاً بالقرار الإسرائيلي الاستمرار في العدوان على لبنان لفصله عن مفاوضات باكستان، عبر ثلاثية متكاملة: الضغط على العمق الإسرائيلي ومنع التقدّم البري واستنزاف القدرات العسكرية. وتحمل هذه المعادلة رسالة مباشرة مفادها أن خرق الهدنة لن يُقابل برد موضعي، بل بتصعيد شامل يعيد ربط الجبهة الداخلية الإسرائيلية بساحة القتال، ويرفع كلفة أي محاولة تقدّم بري إلى مستويات مرتفعة.
وفيما ربط رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو رفضه اتفاق الهدنة، وبالتالي مواصلة القتال حتى «تأمين الشمال»، شكك مستوطنو الشمال بإمكانية تحقيق هذا الهدف. وذكرت القناة 12 أن القتال مستمر، لكن مستوطني الشمال باتوا يدركون أن ذلك لا يضمن تفكيك حزب الله. وقال مراسل القناة غاي فارون، إنه «حتى (أول من) أمس الأربعاء، تحرص إسرائيل والجيش على التأكيد أنه لا يوجد ارتباط بين الساحات بين إيران ولبنان». وأشار الى أن المسؤولين في الجيش يتحدّثون عن «إضعاف» حزب الله، و«لم نعد نسمع مصطلح الحسم. حتى رئيس الحكومة لم يتحدث عن حسم حزب الله». ولفت الى أنه ما زالت لدى الحزب قدرة على إطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات، بمعدل 200 صاروخ يومياً. ويُطالب مستوطنو الشمال، بحسب المراسل، رئيس الحكومة والحكومة بإزالة هذا التهديد، وهم قلقون جداً من فرض وقف إطلاق نار «من الأعلى»، من قبل الأميركيين.






