*عظة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي في أحد الرحمة: الدم اللبناني ليس رخيصًا… وكفى اعتداءات’*

0
13

“طوبى للذين لم يروني وآمنوا” (يو 20: 29)

1. إنّ إنجيل اليوم يضعنا أمام شخصية توما، ذاك التلميذ الذي عبّر عن شكّ الإنسان، عن حاجته إلى البرهان، عن رغبته بأن يلمس ليتأكد. لكن يسوع لا يرفضه، بل يلتقي به في ضعفه، ويدعوه إلى العبور من الشك إلى الإيمان. في تلك اللحظة، يتحوّل الشك إلى إعلان إيمان توما: «ربي وإلهي». فأجاب الرب يسوع: “لأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للذين لم يروني وآمنوا” (يو 20: 29). وهكذا يعلن الرب يسوع الطوبى التي تشملنا نحن اليوم: الإيمان الذي لا يقوم على الرؤية، بل على الثقة.

في هذا الأحد، عيد الرحمة الإلهية، نكتشف أن الإيمان الحقيقي هو دخول في سرّ الرحمة. فالرحمة الإلهية ليست مجرّد فكرة، بل هي عمق العلاقة بين الله والإنسان. إنها قلب الله المفتوح، الذي لا يغلق أبوابه أمام خطيئة الإنسان، ولا يرفض إنسانًا مهما ابتعد.الرحمة، في معناها اللاهوتي، أن الله يسبق الإنسان دائمًا بالمحبة، وأنه لا يتعامل معه بمنطق الحساب، بل بمنطق الغفران. الرحمة فعل خلاص، يعيد الإنسان إلى كرامته، ويقيمه من سقوطه.

 

2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا ولاسيما بجماعات الرحمة الإلهية التي تلتئم اليوم للاحتفال بعيدها الذي ثبّته القديس البابا يوحنا بولس الثاني في يوم الأحد الجديد الذي يلي عيد الفصح.وقد عمّمه على الكنيسة جمعاء في 30 نيسان سنة 2000.

دخلت عبادة الرحمة الإلهية إلى لبنان، بشكل واسع، فيسنة 1996 وانطلقت الرسالة في نشر العبادة بتوزيع كتيّبالرحمة. منذ ذلك الوقت تأسست جماعات الرحمة الإلهية فيلبنان وقد صار عددها لغاية آخر سنة 2025، 23 جماعةملتزمة وناشطة.

تحافظ هذه الجماعات على روحانيتها القائمة على: تكريم أيقونةالرحمة الإلهية، الاحتفال بعيد الرحمة الإلهية في الأحد الأول بعدالفصح، صلاة مسبحة وتساعية الرحمة الإلهية، صلاة الساعة الثالثةكل يوم حيثما وجدوا.

تنشط الجماعات من خلال انتسابها للكنيسة الكاثوليكيةوتعاليمها، بتوجيه مرشدها العام الأب ميلاد السقّيم م.ل، وإشراف سيادة أخينا المطران بولس عبد الساتر راعي مرشدية جماعات الرحمة الإلهية في لبنان. تعمل هذه الجماعات أولاً على بناءالبشر من خلال نشر العبادة والشركة والمشاركة، وعمل الرحمةبالدرجات الثلاث للرحمة كما طلب يسوع: بالفعل والصلاة والكلمةالمعزية.

ولها لقاءات دورية للتعارف والصلاة والرياضات الروحية بهدفنشر العبادة والتشجيع على تأسيس جماعة للرحمة الإلهية في كل رعيةوكنيسة مع تكريم الأيقونة بحسب طلب سيدنا يسوع المسيح منالقديسة فوستينا.

3. ونوجّه تحية خاصّة لعائلة المرحوم الأخ نور: لشقيقه طوني بسيليس، وشقيقاته وعائلاتهم، ولأسرته الروحية: عائلة تيلي لوميار –نورسات، تجمّع أبناء الكنيسة، جماعة الروح القدس للرسالات،وأصدقاء المدرسة الرسمية. وقد غادرنا صباح يوم الجمعة العظيمة من الأسبوع الماضي. وفي ذلك علامة نبوية معزّية أنه مات مع المسيح ليقوم معه للمجد السماوي. فإنّا نصلّي لراحة نفسه وعزاء عائلته.

4. الأخ نور هو إنسان اختار أن يبدّل مسار حياته، فترك حياة مريحة ومستقرة، وتوجّه نحو خدمة الإنسان المتألم.فأنشأ 27 مستوصفًا وعيادة طبّية، وصيدليات مجانية.انطلق من إيمانه ليكون قريبًا من الفقراء والمهمّشين، فحمل همّهم وجعل قضيته قضية الإنسان، وأوجد لهم مساكن، ومطعمًا بالوجبات اليومية.

خلال سنوات الحرب، سعى إلى نشر ثقافة السلام، فكان حاضرًا في المبادرات الإنسانية والاجتماعية، يعمل من أجل التلاقي لا الانقسام. آمن بدور التربية، فدعم المدرسة الرسمية، وساهم في تعزيز رسالتها. كما أدرك أهمية الإعلام، فأسّس إذاعة صوت المحبة وسلّمها للآباء المرسلين، ثم سنة 1990 أسس تيلي لوميار وكانت علامة مضيئة، حيث تحوّلت إلى رسالة إعلامية جامعة، تنشر النور في زمن الظلمة. وسنة 2003 أطلق فضائياتها نورسات، ثم فضائيات أخرى.

عاش ببساطة، وخدم بتجرّد، وفتح قلبه لكل إنسان محتاج، فصار حضوره ملجأً ورجاءً لكثيرين. نصلّي اليوم من أجل راحة نفسه، وعزاء أسرته. رحل الأخ نور، تاركًا وراءه جبالًا من المحبة والرحمة، ومسؤولية إعلامية، ومسؤولية كنسية، ومسؤولية وطنية وإنسانية، مسؤولية قضية اسمها الإنسان.

ونرحّب بوقف سيدة العناية في أدونيس جبيل برئاسة الأب أنطوان خضرا. 

5. اليوم الأحد الجديد حلّ محلّ السبت اليهودي، لأنه يوم القيامة. إنّا نحتفل فيه بإله جديد، وإنسان جديد، وعالم جديد.

– إله جديد: هو إله ابراهيم واسحق ويعقوب أخذ وجهًا جديدًا هو الإله يسوع المسيح، أعلن بطرس الرسول: “فليعلم الجميع أنّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحًا” (أعمال 2/36). نصلّي مع القدّيس افرام النصيبي: “نزل من السماء ربًّا، ومن حشا الأم خرج خادمًا. في الجحيم انحنى الموت أمامه، وفي القيامة الحياة عبدته. تبارك الله في يسوع المسيح!”

– إنسان جديد يتجلّى لنا على وجه المسيح القائم من الموت الذي يكشف الوجه الحقيقي لأبناء الله، وجه النعمة والحياة، بدلاً من وجه عبودية الموت والخطيئة. بقيامته أظهر أننا أبناء الله، على ما كتب بولس الرسول: “الدليل على أنكم أبناء هو أنّ الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه صارخًا: أبّا، أيها الآب! فأنت إذًا لم تعد عبدًا، بل أنت ابن؛ وإذا كنت ابنًا، فأنت أيضًا وارث بنعمة الله” (غلا 4/6-٧).

– عالم جديد ينشأ، مع انتصار المسيح القائم من الموت، بعد تعذيب وتنكيل وظلم وآلام ونزاع، وقد أسمع السماء صراخ بائسي هذا العالم. مع المصلوب الممجّد يبدأ شيئًا فشيئًا بناء عالم جديد: بالقيامة أُعيد الرجاء إلى الأرض، والعدالة إلى الحبّ والحقيقة. فالحبّ والحقيقة اللذان صُلبا، قد قاما، وهما أقوى من الحقد والكذب.

6. فلننظر إلى واقعنا الوطني المضرّج بدماء الأبرياء. نحن نؤمن أن لبنان ليس وطنًا للدمار، وأن الظلم ليس الكلمة الأخيرة. لبنان يقف أمام مشهد لا يمكن السكوت عنه ولا القبول به كأنه أمر عابر.

لقد شهدنا في الأيام الماضية وبخاصّة الأربعاء الأسود اعتداءً قاسيًا على كامل الأراضي اللبنانية، في مشاهد مؤلمة للغاية، خلال دقائق معدودة، وكأن حياة الإنسان عندنا أصبحت بلا وزن. ونتساءل: هل أصبح الدم اللبناني رخيصًا إلى هذا الحد؟ أين الضمير العالمي أمام ما يجري؟ أين الإنسانية التي يُفترض أن تحمي الإنسان أينما كان؟ وبأي حق يعتدي المحاربون على المدنيين العُزَّل؟

الحرب مرفوضة بكلّيتها من الشعب اللبناني والدولة. فإلى متى يبقى الإنسان اللبناني يدفع ثمن هذه الحرب المفروضة عليه قسرًا؟ إلى متى تبقى أرضه ساحة مفتوحة للقتل والهدم والدمار والتهجير والتشريد؟ لبنان ليس ساحة. لبنان وطن. كرامة الإنسان اللبناني ليست مباحة وأرض لبنان ليست مستباحة.

إنّ الإنسان في لبنان ليس أقل قيمة من أي إنسان آخر، وإن أرضه ليست ساحة مفتوحة لكل انتهاك. فكفى حروبًا، كفى اعتداءات،كفى جعل لبنان ساحة، كفى أن يُترك شعبه لمصير مجهول ويدفع ثمن ما لا يخصّه! كفى أن تُستباح أرضه ويُستنزف إنسانه! 

السلام لا يُفرض بالعنف والقوة، بل يُبنى بالحوار والتفاوض.السلام لا يولد من الغلبة، بل من إرادة حقيقية تحترم حياة الإنسان وتصون كرامته.

7. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، في هذا الأحد، أحد الرحمة الإلهية، نرفع إليك قلوبنا ونقول: يا يسوع، إنّا نثق بك. ارحم شعبك، احفظ وطننا، وثبّت رجاءنا. ولتكن كلمتك نور دربنا. لك المجد والتسبيح أيها الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.