الحرب على لبنان:غارات جنوبًا بالتزامن مع المحادثات في واشنطن

0
15

في أجواءٍ مشحونةٍ بالتّصعيد السّياسيّ والعسكريّ، صدرت عن السّفير الإسرائيليّ في واشنطن مواقف حادّةٌ عكست سقفًا مرتفعًا من الخطاب الإسرائيليّ تجاه لبنان، تزامنًا مع انتهاء الجلسة التحضيريّة للتفاوض المباشر بين الوفدين اللّبنانيّ والإسرائيليّ في العاصمة الأميركيّة.

وقال السّفير الإسرائيليّ، بحسب ما نُقِل عنه، إنّ إسرائيل “متّفقةٌ مع الجانب اللّبنانيّ على تحرير لبنان من قوّات احتلالٍ إيرانيّةٍ هي حزب الله”، مضيفًا أنّ الجانب الإسرائيليّ أبلغ الوفد اللّبنانيّ أنّ “أمن المدنيّين ليس موضوعَ تفاوض”. كما اعتبر أنّ “حزب الله في أضعف حالاته، وحكومةُ لبنان لم تستجب لموقفه الرّافض للتّفاوض”. وأضاف السفير: “بيان مشترك سيصدر عن الاجتماع بين سفيري لبنان وإسرائيل”.
 

وفي سياقٍ متّصل، أفادت السّفارة الإسرائيليّة في واشنطن بانتهاء اللّقاء التّحضيريّ ضمن مسار المفاوضات المباشرة بين الوفدين اللّبنانيّ والإسرائيليّ، في خطوةٍ تعكس استمرار الاتّصالات السّياسيّة، رغم التّوتّر الميدانيّ المتصاعد.

بالتّوازي، نقلت “قناة كان” العبريّة أنّ اجتماعًا لـ”الكابينيت” سيُعقد عند السّاعة الثّامنة من مساء يوم غد، وسط ترقّبٍ لنتائج المشاورات السّياسيّة والعسكريّة الإسرائيلية بشأن الجبهة مع لبنان.

كما ذكرت “القناة 12” الإسرائيليّة أنّ الولايات المتّحدة ولبنان طلبا من إسرائيل وقفَ إطلاق نارٍ أو تهدئةً مؤقّتةً بهدف تقديم ذلك على أنّه إنجازٌ سياسيّ. ونقلت القناة نفسها، عن مصادر، أنّ الجيش الإسرائيليّ يريد استمرار إطلاق النّار في لبنان رغم المفاوضات الجارية في واشنطن، وأنّه ماضٍ في تعميق ضرباته ضدّ “حزب الله”، خشيةَ تعرّضه لضغطٍ أميركيّ يفرض وقفها.

وعلى إيقاع المحادثات اللّبنانيّة – الإسرائيليّة برعايةٍ أميركيّة في واشنطن، شنّ الجيش الإسرائيليّ سلسلة من الغارات الجويّة جنوبًا، تزامنت مع إطلاق “حزب الله” سلسلة من العمليات باتجاه المستوطنات الشماليّة. 

وبدأت مساء، الثلاثاء، محادثات بين إسرائيل ولبنان في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، بالتوازي مع حالة تأهب واستعداد عسكري في قيادة الجبهة الشمالية بالجيش الإسرائيلي، وسط تقديرات تشير إلى احتمال تصعيد هجمات حزب الله خلال الساعات المقبلة.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي يتوسط المحادثات، إنه “لدينا فرصة تاريخية في ما يتعلق بالمحادثات الإسرائيلية اللبنانية بواشنطن”، مشيرا إلى أن “التعقيدات لن تحل جميعها في الساعات الست المقبلة. يمكننا البدء في المضي قدما ووضع الإطار العام”. وأضاف “الأمر يتعلق بوضع حد نهائي لعشرين أو 30 عاما من نفوذ حزب الله”.

معركة بنت جبيل

وعلى وقع المعارك والمواجهات الدائرة في بنت جبيل، والغارات الإسرائيليّة المتنّقلة بين البلدات الجنوبية، عقد لبنان، عند السّادسة مساءً بتوقيت بيروت، أوّل جلسة مفاوضات لبنانيّة – إسرائيليّة مباشرة منذ عام 1983، في خطوةٍ تضع البلاد أمام استحقاقٍ سياسيّ وأمنيّ بالغ الحساسيّة.

ويشارك في الاجتماع، إلى جانب راعيه السّفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى، كلٌّ من السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوّض، والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، إضافةً إلى وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، والمستشار مايكل نيدهام، وفق ما أفاد به مراسل موقع “أكسيوس”.

وبغضّ النظر عن التسمية المعتمدة لهذا الاجتماع، سواء وُصف بأنّه جلسة تحضيريّة أو جلسة مخصّصة لوقف إطلاق النار، فإنّه يضع لبنان أمام امتحانٍ صعب، إذ يذهب إلى التفاوض تحت ضغط النّار الإسرائيليّة، بعد رفض رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو وقف إطلاق النار، وربط المسار اللّبنانيّ بمسار اتفاق الهدنة المؤقّتة بين إيران والولايات المتحدة.

تساؤلات حول النيات الإسرائيليّة

وتُطرح علامات استفهام واسعة بشأن ما إذا كانت إسرائيل في وارد إبرام اتفاقٍ لوقف إطلاق النار مع لبنان، انسجامًا مع الآمال المعقودة على الجلسة الأولى، أم أنّها تعتزم استخدام المفاوضات لكسب الوقت، في موازاة سعيها إلى تحقيق أهدافٍ ميدانيّة، أبرزها السّيطرة على بنت جبيل، لما تمثّله من رمزية، وإقامة منطقة أمنيّة حدوديّة.

وكان نتنياهو قد لوّح، خلال زيارته إلى الخطوط الأمامية للجبهة جنوبًا، بأنّ أمام إسرائيل “الكثير لتفعله” في حربها على لبنان، متوعّدًا بإقامة “حزام أمني” في الجنوب.

وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة “هآرتس”، صباح اليوم، أنّ سفير إسرائيل في واشنطن تلقّى تعليمات بعدم قبول وقف إطلاق النار في مفاوضات لبنان، وأنّ نتنياهو يرى في هذه المفاوضات فرصةً لكسب الوقت من دون وقف الحرب.

موقفٌ لبنانيّ رسميّ وتحفّظٌ من “حزب الله

في المقابل، وقبل ساعاتٍ من الاجتماع، تلقّت السفيرة اللبنانية توجيهاتٍ واضحة من رئيس الجمهورية جوزاف عون، بضرورة طرح الطلب اللّبنانيّ الرسميّ القاضي بوقف إطلاق نارٍ شامل، ومن دون مهلة. وأكّد عون أنّ المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل يجب أن تأتي بعد وقف إطلاق النار، معربًا عن أمله في تحقيق ذلك تمهيدًا لأيّ مسار تفاوضيّ مباشر.

وفي موازاة الترقّب الرسميّ والشعبيّ لنتائج جلسة اليوم وطبيعة التعاطي الإسرائيليّ معها، خرج الأمين العامّ لـ”حزب الله” نعيم قاسم بموقفٍ واضح أكّد فيه رفض المفاوضات والتمسّك بالبقاء في الميدان.مشدّدًا على أنّها تحتاج إجماعا لبنانيًّا، وعلى أنّه “يجب وقف العدوان، وانسحاب الاحتلال، وتحرير الأسرى، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار”. كما لفت إلى أنّه “لا يمكن تبرير أنّ تكون الدولة أداة لإسرائيل بالضغط واتخاذ قرارات، لإضعاف الوضع الداخليّ”.

تصعيدٌ ميدانيّ واستنساخٌ لسيناريو غزة

ميدانيًّا، تواصل إسرائيل تصعيدها في الجنوب، وسط اتهاماتٍ لها بالسعي إلى استنساخ تجربة غزة في لبنان، عبر تنفيذ أحزمة نارية تمحو بلداتٍ كاملة من الخريطة الجغرافية اللبنانية، ومنع عودة سكّان الجنوب إلى قراهم، وفرض تغييرٍ ديمغرافيّ وواقعٍ أمنيّ جديد على طاولة المفاوضات.

ويُتوقّع أن يشهد لبنان ساعاتٍ عصيبة، في ظلّ تكثيف إسرائيل غاراتها استباقًا لجلسة التفاوض.

زأغار الطيران الحربي الإسرائيلي فجرًا على بلدة تبنين، ما أدّى إلى أضرارٍ جسيمة في المستشفى الحكومي ووقوع إصابات. كذلك استهدفت طائرة مسيّرة بصاروخين سيارةً على طريق المصيلح، ما أدّى إلى احتراقها وسقوط إصابات. كما استهدفت غارة منزلًا في بلدة الشبريحا، ما تسبّب في اشتعاله، فيما عملت فرق الدفاع المدني على إخماد النيران. واستهدف الطيران المسيّر أيضًا جبال البطم، والمنصوري، والشهابية، والبيسارية.

وفي البقاع الغربي، استشهد أربعة أشخاص على الأقلّ جرّاء غاراتٍ إسرائيلية على بلدة سحمر شرقيّ لبنان، الثلاثاء.

حزب الله” يعلن استهدافاته

في المقابل، أعلن “حزب الله”، في سلسلة بيانات، أنّ “المقاومة الإسلامية” استهدفت تجمّعًا للجيش الإسرائيلي في موقع حانيتا بمسيّرة انقضاضية، محقّقةً إصابةً مباشرة، كما استهدفت تجمّعًا ثانيًا في موقع المالكية بصليةٍ صاروخية.

وأضاف الحزب أنّه هاجم أيضًا تجمّعاتٍ لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي بصلياتٍ صاروخية جنوب بلدة مركبا، وفي منطقة العقبة في بلدة عين إبل، وشرق مدينة بنت جبيل، وفي بلدة رشاف. كما أطلق قذائف ومسيّرات باتّجاه بلداتٍ في شماليّ إسرائيل، وتجمّعاتٍ لقوّات الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية.

وكان لافتًا في بيانات “حزب الله”، إضافة جملة إلى بياناته المتتالية، وفيها: “إنّ هذا الردّ سيستمرّ إلى أن يتوقّف العدوان الإسرائيليّ الأمريكيّ على بلدنا وشعبنا”، ما قد يشي بأنّه قد يلتزم بأي وقف إطلاق نار مقبل. 

قتيلٌ إسرائيليّ وثلاثة جرحى

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عنصرٍ من قواته وإصابة ثلاثة آخرين خلال المعارك الدائرة في جنوبيّ لبنان. وبحسب بيان الجيش، فإنّ ذلك وقع أثناء المواجهات الميدانية المستمرّة، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعة الإصابات أو ظروفها.

غير أنّ تقارير إسرائيلية أشارت إلى أنّ مقتل وإصابة عناصر جيش الاحتلال ناتجان من انقلاب مركبةٍ كانوا يستقلّونها، لا من اشتباكٍ مباشر، ما يفتح الباب أمام تضاربٍ في الروايات بشأن ملابسات الحادثة.

وبين نيران الميدان وحسابات السياسة، يدخل لبنان ساعاتٍ حاسمة قد تحدّد اتجاه المواجهة في الجنوب، وحدود الانتقال من الحرب إلى التفاوض. وفيما يتمسّك لبنان رسميًّا بمطلب وقفٍ شامل لإطلاق النار قبل أيّ مسارٍ تفاوضيّ مباشر، تبدو إسرائيل ماضيةً في استخدام الضغط العسكريّ ورقةً تفاوضية، ما يجعل الجلسة المرتقبة محكومةً بموازين النار بقدر ما هي محكومةٌ بلغة الدبلوماسية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا